الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله : ( هو موليها ) ففيه وجهان .

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه عائد إلى الكل ، أي ولكل أحد وجهة هو مولي وجهه [ ص: 120 ] إليها .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أنه عائد إلى اسم الله تعالى ، أي : الله تعالى يوليها إياه ، وتقدير الكلام على الوجه الأول أن نقول : إن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها ، أي هو مستقبلها . ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه ، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه ، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة ، مع لزوم الأديان المختلفة : ( فاستبقوا الخيرات ) أي : فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فإنكم على خيرات من ذلك في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم ، وأما في الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على انقيادكم لأوامره فإن إلى الله مرجعكم ، وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعا في صعيد القيامة ، فيفصل بين المحق منكم والمبطل ، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي ، ومن المصيب منكم ومن المخطئ ، إنه على ذلك قادر ، ومن قال بهذا التأويل قال : المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها ، إما بشريعة وإما بهوى ، فلستم تؤخذون بفعل غيركم ، فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ، وأما تقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله : ( هو موليها ) عائدا إلى الله تعالى فهاهنا وجهان .

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الله عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده ، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحا ، فالجهتان من الله تعالى ، وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما ، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين ، فإن انقيادكم خيرات لكم ، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون : ( ما ولاهم عن قبلتهم ) فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعا في عرصة القيامة ، فيفصل بينكم .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أنا إذا فسرنا قوله : ( ولكل وجهة ) بجهات الكعبة ونواحيها ، كان المعنى : ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة ، أي ناحية من الكعبة : ( فاستبقوا الخيرات ) بالتوجه إليها من جميع النواحي ، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدى إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ، ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( هو موليها ) أي : هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه ، قال الفراء : أي مستقبلها ، وقال أبو معاذ : موليها على معنى متوليها ، يقال : قد تولاها ورضيها وأتبعها ، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي : ( هو مولاها ) وهي قراءة ابن عباس ، وأبي جعفر ، ومحمد بن علي الباقر ، وفي قراءة الباقين : ( موليها ) ولقراءة ابن عامر معنيان . أحدهما : أن ما وليته فقد ولاك ؛ لأن معنى وليته أي جعلته بحيث تليه ، وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضا يلي هذا ، فإذن قد ولي كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) [ البقرة : 37 ] و ( لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة : 124 ] والظالمون ، وهذا قول الفراء .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : ( هو موليها ) أي : وقد زينت له تلك الجهة وحببت إليه ، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية