الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5503 5504 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد ، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: ثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال: "كنا نلتقي الركبان فنشتري منهم الطعام جزافا، ، فنهانا رسول الله -عليه السلام- أن نبيعه حتى نحوله من مكانه، أو ننقله". .

                                                حدثنا ربيع الجيزي ، قال: ثنا حسان بن غالب ، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر: "أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله -عليه السلام- فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى يبلغوه حيث يبيعون الطعام". .

                                                ففي هذه الآثار إباحة التلقي، ، وفي الأول النهي عنه فأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد والخلاف، فيكون ما نهي عنه من التلقي ، لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين في الأسواق، ويكون ما أبيح من التلقي ، هو الذي لا ضرر فيه على المقيمين في الأسواق، فهذا وجه هذه الآثار عندنا، والله أعلم.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج هؤلاء الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؛ فإنه يخبر عن إباحة التلقي ولكن في الآثار الأول التي احتجت بها أهل المقالة الأولى: النهي عن التلقي، فيكون بين هذه الآثار تضاد ظاهر، فإذا كان كذلك يجب التوفيق بينهما لئلا يبقى التضاد والخلاف، ووجهه ما أشار إليه بقوله: "فيكون ما نهي عنه من التلقي ... " إلى آخره.

                                                ثم إنه أخرج حديث ابن عمر من طريقين:

                                                الأول: عن فهد بن سليمان ، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة شيخ الشيخين، عن علي بن مسهر القرشي الكوفي روى له الجماعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، روى له الجماعة، عن نافع ، عن ابن عمر .

                                                [ ص: 376 ] وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قال ابن أبي شيبة: نا علي بن مسهر وقال ابن نمير: نا أبي، ثم اتفق علي بن مسهر وعبد الله بن نمير كلاهما، عن عبيد الله بن عمر عن نافع ... إلى آخره نحوه.

                                                الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي ، عن حسان بن غالب بن نجيح المصري، قال ابن يونس: كان ثقة. وفي الميزان: متروك.

                                                عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري المدني، روى له الجماعة سوى ابن ماجه ، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي الأسدي المدني روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره.

                                                وأخرجه البخاري : ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو ضمرة -هو أنس بن عياض- ثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ... إلى آخره نحوه.

                                                وقد ناقش ابن حزم ها هنا مناقشة شديدة، وقال: احتج من أجاز تلقي السلع بما رويناه من طريق البخاري : عن موسى بن إسماعيل، ثنا جويرية، عن نافع ، عن ابن عمر قال: "كنا نلتقي الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي -عليه السلام- أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام".

                                                ومن طريق البخاري : ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو ضمرة ... إلى آخره، وقد ذكرناه آنفا، وهذا لا حجة لهم فيه، لستة أوجه:

                                                أحدها: أن المحتجين بها هم القائلون بأن الصاحب إذا روى خبرا عن النبي -عليه السلام- ثم خالفه أو حمله على تفسير ما فهو أعلم بما فسر، وقوله حجة في رد الخبر، وابن عمر هو راوي هذا الخبر، وقد صح عنه الفتيا بترك التلقي، والأخذ بما روى منه النهي عن التلقي.

                                                [ ص: 377 ] وثانيها: أن هذين خبران هم أول مخالف لما فيهما، فلا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه، ولا أسوأ طريقة ممن يحتج بحجة هو أول مبطل لها ومخالف لموجبها.

                                                وثالثها: أنهما موافقان لقولنا؛ لأن معنى نهي النبي -عليه السلام- أن يبيعوه حتى يبلغوا به سوق الطعام هو نهي للبائع أن يبيعه وللمشتري أن يبتاعه حتى يبلغ به سوق الطعام.

                                                ورابعها: أنه لو حتى كان فيها نص قال على جواز التلقي -وليس ذلك فيهما- لكان النهي ناسخا.

                                                وخامسها: أن يضم هذان الخبران إلى أخبار النهي، فيكون البائعون يخيرون في إمضاء البيع، فأمر المبتاعون بنقله حينئذ إلى السوق، فتتفق الأخبار كلها، ولا تحمل على التضاد.

                                                وسادسها: أنا روينا هذا الخبر ببيان صحيح رافع للإشكال من طريق من هو أحفظ وأضبط من جويرية كما روينا من طريق البخاري : نا مسدد، نا يحيى ، عن عبيد الله -هو ابن عمر- حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، قال: "كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، ويبيعونه في مكانه، فنهاهم النبي -عليه السلام- أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه".

                                                ومن طريق مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير .. إلى آخر ما ذكرناه عن قريب.

                                                فهذا يبين أن البيع كان في السوق إلا أنه في أعلاه، وفي الجزاف خاصة فنهي المشترون عن ذلك. انتهى.

                                                قلت: هذا الذي ذكره كله فاسد.

                                                [ ص: 378 ] أما الأول: فلأن قولهم: إن الصاحب إذا روى خبرا عن النبي -عليه السلام- ثم خالفه، يكون هذا ردا لما رواه، ليس في مثل هذا الموضع، وإنما هو في موضع لا يختلف فيه الحال، وقد قلنا: إن ها هنا اختلفت الأحوال؛ لأن رواية ابن عمر بإباحة التلقي في الحال التي لا تضر المقيمين بالسوق، وفتواه بترك التلقي ومنعه إياه في الحال التي لا تضر المقيمين بالسوق كما قد ذكرنا.

                                                وأما الثاني: فلا نسلم أنهم أول مخالف لما في الخبرين، بل هم أول عامل لما فيهما إذ لو تركوا العمل بما فيها لقالوا: يمنع التلقي مطلقا، وابن حزم ومن نحا نحوه هم أول مخالف لما فيها حيث منعوا من التلقي مطلقا.

                                                وأما الثالث: فلا مناسبة لذكره في هذا الموضع لأن النزاع في إباحة التلقي وكراهته وليس في نهي بيع ما اشتراه، حتى يبلغ به سوق الطعام.

                                                وأما الرابع: ففساده ظاهر؛ لأن الخبرين فيهما نص جلي بإباحة التلقي، ولا يلزم من النهي عن ذلك وجود النسخ؛ لعدم العلم بالتاريخ، بل تحمل الإباحة على ما إذا انتفى الضرر بالمقيمين في السوق، ويحمل النهي على ما إذا وجد الضرر عليهم، كما قد ذكرناه.

                                                وأما الخامس: فكذلك فساده ظاهر؛ لأن تصحيح معاني الآثار المختلفة لأجل اتفاقها ونفيها عن التضاد، لا يكون بما ذكره، بل إنما يكون بالطريقة التي ذكرنا.

                                                وأما السادس: فأشد فسادا مما قبله ولا وجه لذكره أصلا في معرض الاعتراض؛ لأنه لا تعلق له بمحل النزاع، يظهر ذلك بالتأمل.




                                                الخدمات العلمية