الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله تعالى : إطعام عشرة مساكين روي عن علي وعمر وعائشة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن في كفارة اليمين : " كل مسكين نصف صاع من بر " ؛ وقال عمر وعائشة : " أو صاعا من تمر " وهو قول أصحابنا إذا أعطاهم الطعام تمليكا . وقال ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء في آخرين : مد من بر لكل مسكين " وهو قول مالك والشافعي .

في الإطعام من غير تمليك واختلف في الإطعام من غير تمليك ، فروي عن علي ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة : " يغديهم ويعشيهم " وهو قول أصحابنا ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي . وقال الحسن البصري : وحبة واحدة تجزي " . وقال الحكم : " لا يجزي الإطعام حتى يعطيهم " . وقال سعيد بن جبير : " مدين من طعام ومد لإدامه ، ولا يجمعهم فيطعمهم ولكن يعطيهم " . وروي عن ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وطاوس والشعبي : " يطعمهم أكلة واحدة " ، وروي عن أنس مثل ذلك .

وقال الشافعي : " لا يعطيهم جملة ولكن يعطي كل مسكين مدا " . قال أبو بكر : قال الله تعالى : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم فاقتضى ظاهره جواز الإطعام بالأكل من غير إعطاء ألا ترى إلى قوله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا قد عقل منه إطعامهم بالإباحة لهم من غير تمليك ؟ ويقال : فلان يطعم الطعام ، وإنما مرادهم دعاؤه إياهم إلى أكل طعامه ، فلما كان الاسم يتناول الإباحة وجب جوازه ، وإذا جاز إطعامهم على وجه الإباحة من غير تمليك ، فالتمليك أحرى بالجواز لأنه أكثر من الإباحة ؛ ولا خلاف في جواز التمليك ، وإنما قالوا : " يغديهم ويعشيهم " لقوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم وهو مرتان في اليوم غداء وعشاء ؛ لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات والأقل واحدة والأوسط مرتان . وقد روى ليث عن ابن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان خبزا يابسا فهو غداؤه وعشاؤه .

وإنما قال أصحابنا : إذا أعطاهم كان من البر نصف صاع ومن الشعير والتمر صاعا ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة في فدية الأذى : أو أطعم ثلاثة آصع من طعام ستة مساكين وفي حديث آخر : أطعم ستة آصع من تمر ستة [ ص: 118 ] مساكين فجعل لكل مسكين صاعا من تمر أو نصف صاع من بر ، ولم يفرق بين تقدير الطعام في فدية الأذى وكفارة اليمين ، فثبت أن كفارة اليمين مثلها . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار : وسقا من تمر لستين مسكينا والوسق ستون صاعا . ولما ثبت في كفارة الظهار لكل مسكين صاع من تمر كانت كفارة اليمين مثلها لاتفاق الجميع على تساويهما في مقدار ما يجب فيهما من الطعام ، وإذا ثبت من التمر صاع وجب أن يكون من البر نصف صاع ؛ لأن كل من أوجب فيها صاعا من التمر أوجب من البر نصف صاع .

قوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم روي عن ابن عباس قال : " كان لأهل المدينة قوت وكان للكبير أكثر مما للصغير وللحر أكثر مما للمملوك ، فنزلت : من أوسط ما تطعمون أهليكم ليس بأفضله ولا بأخسه " وروي عن سعيد بن جبير مثله . قال أبو بكر : بين ابن عباس أن المراد الأوسط في المقدار ، لا بأن يكون مأدوما . وروي عن ابن عمر قال : " أوسطه الخبز والتمر والخبز والزيت ، وخير ما نطعم أهلنا الخبز واللحم " وعن عبيدة : " الخبز والسمن " . وقال أبو رزين : " الخبز والتمر والخل " . وقال ابن سيرين : " أفضله اللحم وأوسطه السمن وأحسنه التمر مع الخبز " روي عن عبد الله بن مسعود مثله .

قال أبو بكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر أن يكفر عن الظهار بإعطاء كل مسكين صاعا من تمر ، ولم يأمره معه بشيء آخر غيره من الإدام ؛ وأمر كعب بن عجرة أن يتصدق بثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين ، ولم يأمره بالإدام ولا فرق عند أحد بين كفارة الظهار وكفارة اليمين في مقدار الطعام فثبت بذلك أن الإدام غير واجب مع الطعام وأن الأوسط المراد بالآية الأوسط في مقدار الطعام لا في ضم الإدام إليه ؛ وقوله تعالى : فكفارته إطعام عشرة مساكين عموم في جميع من يقع عليه الاسم منهم ، فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم نصف صاع ؛ لأنا لو منعناه في اليوم الثاني كنا قد خصصنا الحكم في بعض ما انتظمه الاسم دون بعض ، لا سيما فيمن قد دخل في حكم الآية بالاتفاق ، وهو قول أصحابنا .

وقال مالك والشافعي : لا يجزي . فإن قال قائل : لما ذكر عشرة مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم ، كقوله تعالى : فاجلدوهم ثمانين جلدة وقوله تعالى : أربعة أشهر وعشرا وسائر الأعداد المذكورة لا يجوز الاقتصار على ما دونها ، كذلك غير جائز الاقتصار على الأقل من العدد المذكور . قيل له : لما كان القصد في [ ص: 119 ] ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد أن يتكرر عليهم الإطعام أو على واحد منهم في عشرة أيام على حسب ما يحصل به سد الجوعة ، فكان المعنى المقصود بإعطاء العشرة موجودا في الواحد عند تكرار الدفع والإطعام في عدد الأيام .

وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة على واحد بتكرار الدفع ؛ إذ كان المقصد فيه تكرار الدفع لا تكرار المساكين ، كما قال تعالى : يسألونك عن الأهلة وهو هلال واحد ، فأطلق عليه اسم الجمع لتكرار الرؤية في الشهور . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بثلاثة أحجار ، ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه . وكذلك أمر برمي الجمار بسبع حصيات ، ولو رمى بحصاة واحدة سبع مرات أجزأه ؛ لأن المقصد فيه حصول الرمي سبع مرات ، والمقصد في الاستنجاء حصول المسحات دون عدد الأحجار .

فكذلك لما كان المقصد في إخراج الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك عليه في الأيام وبين الجماعة . ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى : أو كسوتهم ومعلوم أن كسوتهم عشرة أثواب ، فصار تقديره : " أو عشرة أثواب " ثم لم يخصصها بمسكين واحد ولا بجماعة ، فوجب أن يجزي إعطاؤها لواحد منهم ، ألا ترى أنه يجوز أن تقول أعطيت كسوة عشرة مساكين مسكينا واحدا ؟ فقوله تعالى : أو كسوتهم يدل من هذا الوجه على أنه غير مقصور على أعداد المساكين عشرة ، ويدل أيضا من الوجه الذي دل عليه ذكر الطعام على الوجه الذي ذكرنا ، ولا تجزي الكسوة عندهم إذا أعطاها مسكينا واحدا إلا أن يعطيه كل يوم ثوبا ؛ لأنه لما ثبت ما وصفنا في الطعام من تفريقه في الأيام ، وجب مثله في الكسوة ؛ إذ لم يفرق واحد بينهما .

وأجاز أصحابنا إعطاء قيمة الطعام والكسوة لما ثبت أن المقصد فيه حصول النفع للمساكين بهذا القدر من المال ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله بالطعام والكسوة . ولما صح إعطاء القيمة في الزكوات من جهة الآثار والنظر ، وجب مثله في الكفارة ؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما ، ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق الاسم على من أعطى غيره دراهم يشتري بها ما يأكله ويلبسه بأن يقال : قد أطعمه وكساه ؛ وإذا كان إطلاق ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية ، ألا ترى أن حقيقة الإطعام أن يطعمه إياه بأن يبيحه له فيأكله ؟ ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم يأكله المسكين وباعه أجزأه ، وإن لم يتناوله حقيقة اللفظ بحصول المقصد في وصول هذا القدر من المال إليه ، وإن لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل . [ ص: 120 ] وكذلك لو أعطاه كسوة فلم يكتس بها وباعها ، وإن لم يكن له كاسيا بإعطائه ؛ إذ كان موصلا إليه هذا القدر من المال بإعطائه إياه فثبت بذلك أنه ليس المقصد حصول المطعم والاكتساء ، وأن المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال ، فلا يختلف حينئذ حكم الدراهم والثياب والطعام ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدر في صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ثم قال : أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم ؟ فأخبر أن المقصود حصول الغنى لهم عن المسألة لا مقدار الطعام بعينه ؛ إذ كان الغنى عن المسألة يحصل بالقيمة كحصوله بالطعام .

فإن قال قائل : لو جازت القيمة وكان المقصد فيه حصول هذا القدر من المال للمساكين لما كان لذكر الإطعام والكسوة فائدة مع تفاوت قيمتها في أكثر الأحوال ، وفي ذكره الطعام أو الكسوة دلالة على أنه غير جائز أن يتعداهما إلى القيمة ، وأنه ليس المقصد حصول النفع بهذا القدر من المال دون عين الطعام والكسوة . قيل له : ليس الأمر على ما ظننت ؛ وفي ذكره الطعام والكسوة أعظم الفوائد ، وذلك أنه ذكرهما ودللنا بما ذكر على جواز إعطاء قيمتهما ليكون مخيرا بين أن يعطي حنطة أو يطعم أو يكسو أو يعطي دراهم قيمة عن الحنطة أو عن الثياب ، فيكون موسعا في العدول عن الأرفع إلى الأوكس إن تفاوتت القيمتان ، أو عن الأوكس إلى الأرفع ، أو يعطى أي المذكورين بأعيانهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ومن وجبت في إبله بنت لبون فلم توجد أخذ منه بنت مخاض وشاتان أو عشرون درهما فخيره في ذلك ، وهو يقدر على أن يشتري بنت لبون وهي الفرض المذكور ؛ وكما جعل الدية مائة من الإبل واتفقت الأمة على أنها من الدراهم والدنانير أيضا قيمة للإبل على اختلافهم فيها ، وكمن تزوج امرأة على عبد وسط فإن جاء به بعينه قبل منه وإن جاء بقيمته قبلت منه أيضا . ولم يبطل جواز أخذ القيمة في هذه المواضع حكم التسمية لغيرها ، فكذلك ما وصفنا .

ألا ترى أنه خيره بين الكسوة والطعام والعتق ؟ فالقيمة مثل أحد هذه الأشياء وهو مخير بينها وبين المذكور وإن كانت قد تختلف في الطعام والكسوة لأن في عدوله إلى الأرفع زيادة فضيلة وفي اقتصاره على الأوكس رخصة وأيهما فعل فهو المفروض ، وهذا مثل ما نقول في القراءة في الصلاة إن المفروض منها مقدار آية ، فإن أطال القراءة كان الجميع هو المفروض والمفروض من الركوع هو الجزء الذي يسمى به راكعا ، فإن أطال كان الفرض جميع المفعول منه ، ألا ترى أنه لو أطال الركوع كان [ ص: 121 ] مدركه في آخر الركوع مدركا لركعته ؟ وكذلك لا يمتنع أن يكون المفروض من الكفارة قيمة الأوكس من الطعام أو الكسوة ، فإن عدل إلى قيمة الأرفع كان هو المفروض أيضا .

وقد اختلف في مقدار الكسوة ، فقال أصحابنا : " الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب إزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء " . وروى ابن سماعة عن محمد أن السراويل تجزي ، وأنه لو حلف لا يشتري ثوبا فاشترى سراويل حنث إذا كان سراويل الرجال .

وروى هشام عن محمد أنه لا يجزي السراويل ولا العمامة ؛ وكذلك روى بشر عن أبي يوسف .

وقال مالك والليث : " إن كسا الرجل كسا ثوبا وللمرأة ثوبين درعا وخمارا ، وذلك أدنى ما تجزي فيه الصلاة ، ولا يجزي ثوب واحد للمرأة ولا تجزي العمامة " . وقال الثوري : " تجزي العمامة " . وقال الشافعي : " تجزي العمامة والسراويل والمقنعة " . قال أبو بكر : روي عن عمران بن حصين وإبراهيم والحسن ومجاهد وطاوس والزهري ثوب لكل مسكين " . قال أبو بكر : ظاهره يقتضي ما يسمى به الإنسان مكتسيا إذا لبسه ، ولابس السراويل ليس عليه غيره أو العمامة ليس عليه غيرها لا يسمى مكتسيا كلابس القلنسوة ، فالواجب أن لا يجزي السراويل والعمامة ولا الخمار ؛ لأنه مع لبسه لأحد هذه الأشياء يكون عريانا غير مكتس ، وأما الإزار والقميص ونحوه فإن كل واحد من ذلك يعم بدنه حتى يطلق عليه اسم المكتسي ، فلذلك أجزأه .

التالي السابق


الخدمات العلمية