الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                      صفحة جزء
                                                                      باب الأرض يصيبها البول

                                                                      380 حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وابن عبدة في آخرين وهذا لفظ ابن عبدة أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن أعرابيا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فصلى قال ابن عبدة ركعتين ثم قال اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد تحجرت واسعا ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد فأسرع الناس إليه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه سجلا من ماء أو قال ذنوبا من ماء حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا جرير يعني ابن حازم قال سمعت عبد الملك يعني ابن عمير يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال صلى أعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصة قال فيه وقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء قال أبو داود وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم

                                                                      التالي السابق


                                                                      ( في آخرين ) أي حدثنا بهذا الحديث غير واحد من شيوخنا وكان أحمد بن عمرو وأحمد بن عبدة منهم ( أن أعرابيا ) بفتح الهمزة منسوب إلى الأعراب وهم سكان البوادي ، ووقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد فقيل لأنه جرى مجرى القبيلة كأنما رأوا لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب لقيل عربي فيشتبه المعنى لأن العربي كل من هو من ولد إسماعيل عليه السلام سواء كان ساكنا بالبادية أو بالقرى وهذا غير المعنى الأول . قاله الشيخ تقي الدين ( لقد تحجرت واسعا ) بصيغة الخطاب من باب تفعل . قال الخطابي : أصل الحجر المنع ، ومنه الحجر على السفيه وهو منعه من التصرف في ماله وقبض يده عنه ، يقول له : لقد ضيقت من رحمة الله تعالى ما وسعه ، ومنعت منها ما أباحه . انتهى . وقال في النهاية : أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك . انتهى . ( فأسرع الناس إليه ) في رواية البخاري : فزجره الناس ، ولمسلم : فقال الصحابة : مه مه ، وله في رواية أخرى فصاح الناس به ( فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ) عن زجرهم ( إنما بعثتم ) بصيغة المجهول ( ميسرين ) . حال أي مسهلين على الناس ( ولم تبعثوا معسرين ) عطف على السابق على طريق الطرد والعكس مبالغة في اليسر قاله الطيبي . أي [ ص: 33 ] فعليكم بالتيسير أيها الأمة ( صبوا ) الصب : السكب ( عليه ) وفي رواية للبخاري وهريقوا على بوله ( سجلا من ماء ) بفتح السين المهملة وسكون الجيم قال أبو حاتم السجستاني : هو الدلو ملأى ، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة . وقال ابن دريد : السجل : الدلو واسعة وفي الصحاح : الدلو الضخيمة ( أو قال ذنوبا ) بفتح الذال المعجمة . قال الخليل : الدلو ملأى ماء وقال ابن فارس : الدلو العظيمة . وقال ابن السكيت : فيها قريب من الملاء ، ولا يقال لها وهي فارغة : ذنوب ، فعلى الترادف أو للشك من الراوي وإلا فهي للتخيير ; والأول أظهر ، فإن رواية أنس لم يختلف في أنها ذنوب . قاله الحافظ في الفتح . قال الإمام الخطابي : وفي هذا دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها وأن غسالة النجاسات طاهر ما لم يبن للنجاسة فيها لون ولا ريح ، ولو لم يكن ذلك الماء طاهرا لكان المصبوب منه على البول أكثر تنجيسا للمسجد من البول نفسه ، فدل ذلك على طهارته . انتهى كلامه . وقال ابن دقيق العيد : وفي الحديث دليل على تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة بالماء ، واستدل بالحديث أيضا على أنه يكتفى بإفاضة الماء ، ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك خلافا لمن قال به . ووجه الاستدلال بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه في هذا الحديث الأمر بنقل التراب ، وظاهر ذلك الاكتفاء بصب الماء فإنه لو وجب لأمر به ولو أمر به لذكر ، وقد ورد في حديث آخر الأمر بنقل التراب ولكنه تكلم فيه .

                                                                      وأيضا لو كان نقل التراب واجبا في التطهير لاكتفى به فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود إلى المقصود وهو تطهير الأرض . انتهى . قال المنذري : والحديث أخرجه الترمذي والنسائي ، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ، وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة ، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك بنحوه . انتهى .

                                                                      ( عن عبد الله بن معقل ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف ( ابن مقرن ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة ( بهذه القصة ) أي قصة بول [ ص: 34 ] الأعرابي ( قال فيه ) أي قال عبد الله بن معقل في هذا الحديث ( خذوا ما بال عليه من التراب ) بيان ما الموصولة ( فألقوه ) أي احفروا ذلك المكان وانقلوا التراب وألقوه في موضع آخر ( وأهريقوا ) أصله أريقوا من الإراقة فالهاء زائدة ، ويروى هريقوا فتكون الهاء بدلا من الهمزة ( ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ) لأنه تابعي .

                                                                      باب في طهور الأرض إذا يبست




                                                                      الخدمات العلمية