الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات .

إن كان الناس قد سألوا عما أحل لهم من المطعومات بعد أن سمعوا ما حرم عليهم في الآية السابقة ، أو قبل أن يسمعوا ذلك ، وأريد جوابهم عن سؤالهم الآن ، فالمضارع مستعمل للدلالة على تجدد السؤال ، أي تكرره أو توقع تكرره . وعليه فوجه فصل جملة يسألونك أنها استئناف بياني ناشئ عن جملة حرمت عليكم الميتة وقوله فمن اضطر في مخمصة ، أو هي استئناف ابتدائي : للانتقال من بيان المحرمات إلى بيان الحلال بالذات ، وإن كان السؤال لم يقع ، وإنما قصد به توقع السؤال ، كأنه قيل : إن سألوك ، فالإتيان بالمضارع بمعنى الاستقبال لتوقع أن يسأل الناس عن ضبط الحلال ، لأنه مما تتوجه النفوس إلى الإحاطة به ، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرم عليهم من غير ما عدد لهم في الآيات السابقة ، وقد بينا في مواضع مما تقدم منها قوله تعالى يسألونك عن الأهلة في سورة البقرة : أن صيغة يسألونك في القرآن تحتمل الأمرين . فعلى الوجه الأول يكون الجواب قد حصل ببيان المحرمات أولا ثم ببيان الحلال ، أو ببيان الحلال فقط ، إذا كان [ ص: 111 ] بيان المحرمات سابقا على السؤال ، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع ، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدم ذكره .

و ( الطيبات ) صفة لمحذوف معلوم من السياق ، أي الأطعمة الطيبة ، وهي الموصوفة بالطيب ، أي التي طابت . وأصل معنى الطيب معنى الطهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلا وآجلا ، فالشيء المستلذ إذا كان وخما لا يسمى طيبا : لأنه يعقب ألما أو ضرا ، ولذلك كان طيب كل شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه . وقد أطلق الطيب على المباح شرعا ; لأن إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرة ، قال تعالى كلوا مما في الأرض حلالا طيبا . والمراد بالطيبات في قوله أحل لكم الطيبات معناها اللغوي ليصح إسناد فعل ( أحل ) إليها . وقد تقدم شيء من معنى الطيب عند قوله تعالى يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في سورة البقرة ، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى ( والبلد الطيب ) في سورة الأعراف .

و الطيبات وصف للأطعمة قرن به حكم التحليل ، فدل على أن الطيب علة التحليل ، وأفاد أن الحرام ضده وهو الخبائث ، كما قال في آية الأعراف ، في ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .

وقد اختلف أقوال السلف في ضبط وصف الطيبات ; فعن مالك : الطيبات الحلال ، ويتعين أن يكون مراده أن الحل هو المؤذن بتحقق وصف الطيب في الطعام المباح ، لأن الوصف الطيب قد يخفى ، فأخذ مالك بعلامته وهي الحل كيلا يكون قوله ( الطيبات ) حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ ، فيتعين إذن أن يكون قوله ( أحل لكم الطيبات ) غير مراد منه ضبط الحلال ، بل أريد به الامتنان [ ص: 112 ] والإعلام بأن ما أحله الله لهم فهو طيب ، إبطالا لما اعتقدوه في زمن الشرك : من تحريم ما لا موجب لتحريمه ، وتحليل ما هو خبيث . ويدل لذلك تكرر ذكر الطيبات مع ذكر الحلال في القرآن ، مثل قوله اليوم أحل لكم الطيبات وقوله في الأعراف ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث . وعن الشافعي : الطيبات : الحلال المستلذ ، فكل مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام . قال فخر الدين : العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، وتتأكد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا فهذا يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلا أنه دخله التخصيص بحرمة الخبائث ، فصار هذا أصلا كبيرا في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة . منها أن لحم الخيل مباح عند الشافعي . وقال أبو حنيفة : ليس بمباح . حجة الشافعي أنه مستلذ مستطاب ، والعلم بذلك ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالا ، لقوله تعالى أحل لكم الطيبات . وفي شرح الهداية في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي أن ما استطابه العرب حلال ، لقوله تعالى ويحل لهم الطيبات ، وما استخبثه العرب حرام ، لقوله ويحرم عليهم الخبائث . والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار ، لأن القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به ، ولم يعتبر أهل البوادي لأنهم يأكلون ما يجدون للضرورة والمجاعة . وما يوجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز اهـ . وفيه من التحكم في تحكيم عوائد بعض الأمة دون بعض ما لا يناسب التشريع العام ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم الضب بشهادة قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث خالد بن الوليد ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه ، ومع ذلك لم يحرمه على خالد .

والذي يظهر لي : أن الله قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيب فلا جرم أن يكون ذلك منظورا فيه إلى ذات الطعام ، وهو أن يكون غير ضار ولا مستقذر ولا مناف للدين ، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرمه [ ص: 113 ] الدين ، وأن يكون مقبولا عند جمهور المعتدلين من البشر ، من كل ما يعده البشر طعاما غير مستقذر ، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات ، وعن الطبائع المنحرفات . ونحن نجد أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات ، ويترك بعضهم ذلك البعض . فمن العرب من يأكل الضب واليربوع والقنافذ ، ومنهم من لا يأكلها . ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذر ذلك . وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز ، وأهل جزيرة شريك يستجيدون لحم المعز ، وفي أهل الصحاري تستجاد لحوم الإبل وألبانها ، وفي أهل الحضر من يكره ذلك ، وكذلك دواب البحر وسلاحفه وحياته . والشريعة أوسع من ذلك كله فلا يقضي فيها طبع فريق على فريق . والمحرمات فيها من الطعوم ما يضر تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدرات كالأفيون والحشيشة المخدرة ، وما هو نجس الذات بحكم الشرع ، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق الطيور وأرواث النعام ، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطا للتحريم إلا المحرمات بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله . والقول بأن بعضها حلال دون بعض بدون نص ولا قياس هو من القول على الله بما لا يعلمه القائل ، فما الذي سوغ الظبي وحرم الأرنب ، وما الذي سوغ السمكة وحرم حية البحر ، وما الذي سوغ الجمل وحرم الفرس ، وما الذي سوغ الضب والقنفذ وحرم السلحفاة ، وما الذي أحل الجراد وحرم الحلزون ، إلا أن يكون له نص صحيح ، أو نظر رجيح ، وما سوى ذلك فهو ريح . وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى التردد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نص فيه أو في مواقع المتشابهات .

التالي السابق


الخدمات العلمية