الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1517 186 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل، قال: جئت إلى شيبة. ح.

                                                                                                                                                                                  وحدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته. قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة من وجوه.

                                                                                                                                                                                  الأول: أنه معلوم أن الملوك في كل زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة برفيع الثياب المنسوجة بالذهب وغيره كما يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أن عمر بن الخطاب لما رأى قسمة الذهب والفضة صوابا كان حكم الكسوة حكم المال، يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة.

                                                                                                                                                                                  الثاني: أنه يحتمل أن يكون مقصود البخاري التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروعة، والحجة فيها أنها لم تزل تقصد بالمال فيوضع فيها على معنى الزينة؛ إعظاما لها، فالكسوة من هذا القبيل.

                                                                                                                                                                                  الثالث: أنه يحتمل أن يكون أراد ما في بعض طرق الحديث كعادته، ويكون هناك طريق موافقة للترجمة، وتركه إياه إما لخلل شرطه وإما لتبحر الناظر فيه.

                                                                                                                                                                                  الرابع: أنه يحتمل أن يكون أخذه من قول عمر رضي الله تعالى عنه: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، فالمال يطلق على كل ما يتمول به، فيدخل فيه الكسوة.

                                                                                                                                                                                  الخامس: أنه لعل الكعبة كانت مكسوة وقت جلوس عمر رضي الله تعالى عنه، فحيث لم ينكره وقررها دل على جوازها، والترجمة يحتمل أن يقال فيها: "باب في مشروعية الكسوة" كما ذكرنا.

                                                                                                                                                                                  السادس: أنه يحتمل أن يكون الحديث مختصرا طوى فيه ذكر الكسوة.

                                                                                                                                                                                  فمن هذه الوجوه يتوجه الرد على الإسماعيلي في قوله: "ليس في حديث الباب لكسوة الكعبة ذكر" يعني فلا يطابق الترجمة.

                                                                                                                                                                                  ذكر رجاله: وهم ثمانية:

                                                                                                                                                                                  الأول: عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي.

                                                                                                                                                                                  الثاني: خالد بن الحارث أبو عبد الله الحجبي.

                                                                                                                                                                                  الثالث: سفيان الثوري في الطريقين.

                                                                                                                                                                                  الرابع: واصل بن حيان الأحدب الأسدي.

                                                                                                                                                                                  الخامس: أبو وائل شقيق بن سلمة.

                                                                                                                                                                                  السادس: شيبة بن عثمان الحجبي -بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين- العبدري، أسلم يوم الفتح، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم له ولابن عمه عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة، لا يأخذ منكم [ ص: 237 ] إلا ظالم" وهو الآن في يد بني شيبة، مات سنة تسع وخمسين.

                                                                                                                                                                                  السابع: قبيصة بن عقبة أبو عامر السوائي.

                                                                                                                                                                                  الثامن: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  ذكر لطائف إسناده:

                                                                                                                                                                                  فيه التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع.

                                                                                                                                                                                  وفيه: العنعنة في موضعين.

                                                                                                                                                                                  وفيه: القول في خمسة مواضع.

                                                                                                                                                                                  وفيه: أن شيخه في الطريق الأول من أفراده وقدمه مع أنه نازل؛ لتصريح سفيان فيه بالتحديث، وأنه بصري.

                                                                                                                                                                                  وفيه: أن خالدا أيضا من أفراده، وأنه أيضا بصري، وسفيان وواصل وأبو وائل كوفيون، وفي الطريق الثاني شيخه قبيصة وهو أيضا من أفراده وهو كوفي.

                                                                                                                                                                                  وفيه: صحابيان شيبة وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهذا الحديث جعله الحميدي وأبو مسعود الدمشقي وقبلهما الطبراني في مسند شيبة، وذكره المزي أيضا في مسند شيبة، وذكره غيرهم في مسند عمر رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره:

                                                                                                                                                                                  أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن عمرو بن العباس.

                                                                                                                                                                                  وأخرجه أبو داود في الحج عن أحمد بن حنبل.

                                                                                                                                                                                  وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة.

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه):

                                                                                                                                                                                  قوله: (على الكرسي) الكرسي واحد الكراسي، وربما قالوا كرسي بكسر الكاف، قاله الجوهري.

                                                                                                                                                                                  وقال الزمخشري: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن القاعد، وليست الياء فيه للنسبة، وإنما هو موضوع على هيئة النسبة، كما في زفني وقلطي وبختي وبردي.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أن لا أدع) أي أن لا أترك.

                                                                                                                                                                                  قوله: (فيها) أي في الكعبة.

                                                                                                                                                                                  قوله: (صفراء ولا بيضاء) أي ذهبا ولا فضة، قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز الذي بها وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة، وأما الحلي فمحبسة عليها كالقناديل فلا يجوز صرفها إلى غيرها.

                                                                                                                                                                                  وقال ابن الجوزي: كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة؛ تعظيما لها فيجتمع فيها.

                                                                                                                                                                                  قوله: (إلا قسمته) ذكر الضمير باعتبار المال، وفي رواية عمرو بن شيبة في كتاب مكة، عن قبيصة شيخ البخاري فيه (إلا قسمتها) وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عند البخاري في الاعتصام: (إلا قسمتها بين المسلمين) وعند الإسماعيلي من هذا الوجه: (لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين).

                                                                                                                                                                                  قوله: (قلت: إن صاحبيك لم يفعلا) القائل هو شيبة، وأراد بالصاحبين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبا بكر رضي الله تعالى عنه، وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي: (قلت ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك) وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه: (قال: ولم ذاك؟ قلت: لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه).

                                                                                                                                                                                  قوله: (قال: هما المرآن) أي قال عمر رضي الله تعالى عنه: "هما" أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه "مرآن" يعني رجلين كاملين في المروءة.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أقتدي بهما) أي بالمرأين المذكورين وهما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، ومعناه: لا أفعل ما لم يفعلا، ولا أتعرض لما لم يتعرضا.

                                                                                                                                                                                  وبمثل هذه القضية وقع بين أبي بن كعب وعمر رضي الله تعالى عنهما، وروى عبد الرزاق من طريق الحسن عن عمر أراد أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله، فقال له أبي بن كعب: "قد سبقك صاحباك فلو كان فضلا لفعلا" وفي لفظ: فقال له أبي بن كعب: "والله ما ذاك لك، قال: ولم؟ قال: أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم".

                                                                                                                                                                                  وقال ابن بطال: أراد عمر لكثرته إنفاقه في سبيل الله، وفي منافع المسلمين، ثم لما ذكر بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يتعرض له أمسك.

                                                                                                                                                                                  ذكر ما يستفاد منه:

                                                                                                                                                                                  فيه التنبيه على مشروعية الكسوة.

                                                                                                                                                                                  وفيه: ما يدل من قول عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوة في هذه الأمة أهم؛ لأن الأمور المتقادمة تتأكد حرمتها في النفوس، وقد صار ترك الكسوة في العرف عضا في الإسلام وإضعافا لقلوب المسلمين.

                                                                                                                                                                                  وقال ابن بطال: ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره من وجهه، وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب للعدو، وفي شرح التهذيب: قال صاحب التلخيص: لا يجوز بيع أستار الكعبة المشرفة، وكذا قال أبو الفضل بن عبد: لأنه لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من ذلك، ولا يجوز نقله، ولا بيعه ولا شراؤه. قال: ومن عمل شيئا من ذلك كما يفعله العامة يشترونه من بني شيبة لزمه رده، ووافقه على ذلك الرافعي.

                                                                                                                                                                                  وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في مصارف بيت المال بيعا وعطاء، واحتج بما ذكره الأزرقي أن عمر كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج، وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت [ ص: 238 ] إليه من حائض وجنب وغيرهما، وكذا قالته أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى وسئل عن رجل سرق من الكعبة، فقال: ليس عليه قطع.

                                                                                                                                                                                  ويقال: الظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة؛ إذ بقاؤها تعريض لفسادها بخلاف النقدين.



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية