الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا

                                                          كان بعض المؤمنين يحرمون على أنفسهم بعض المباحات، ويحسبون أن ذلك من الورع والتقوى، وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- خطأهم، ونزل القرآن الكريم بتحريم ذلك عليهم، وجاء في مطوي الكلام تحريم الخبائث لا تحريم الطيبات، وفي هذا النص الكريم بيان أنه لا إثم في تناول المباحات; لأن العبرة بالإيمان وتقوى القلوب، [ ص: 2351 ] فالخبر في الإيمان وفي القلب لا في ترك المباحات، وهذا يشير إلى أن الآيات حكمها عام، وهو كذلك، وإن كان لها سبب فالعبرة بعموم اللفظ.

                                                          والأكثرون من المفسرين على أن سبب نزولها أنه لما نزل تحريم الخمر المشدد فيه، والتحذير منها، وقد كانت من قبل في مرتبة العفو، وقد كان هناك من المؤمنين من يشربها، حتى كان منهم من استشهد في الجهاد، وفي بطنه خمر، فتساءل بعض المؤمنين عمن شربها ومات، وعمن كان يشربها من الأحياء، كما تساءل بعض الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس عن صلاتهم قبل تغيير القبلة إلى الكعبة، فنزلت هذه الآية: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات كما نزل هنالك قوله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم

                                                          وقد وصف الله سبحانه وتعالى الذين لا جناح عليهم في شربهم في الماضي بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلمة: "طعموا" معناها: ذاقوا، وهي تطلق على المشروب والمأكول؛ كما قال تعالى في شأن النهر الذي حرم القائد شربه: ومن لم يطعمه فإنه مني وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد نفي الإثم قوله تعالى: إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ففهم بعض الناس أن ذلك شرط لنفي الإثم، أي: لا إثم بالشرب مع التقوى وعمل الصالحات، ونقول في الجواب عن ذلك:

                                                          أولا: إن المراد بتقوى الله تعالى امتلاء القلب بخشيته، وقد ذكر سبحانه وتعالى في أوصاف الخمر والميسر أنهما يلقيان بالعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى فإذا كان الإثم قد رفع عن التناول لأنه كان قبل التحريم، فهل يرفع الإثم عن العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة; إنه لا تقوى مع التناول.

                                                          وثانيا: إن في هذا الشرط تحريضا على الإيمان وتقوى الله تعالى، والامتلاء بهيبته.

                                                          [ ص: 2352 ] وكرر الله تعالى التقوى، فقال تعالت كلماته: ثم اتقوا وآمنوا لبيان أنه يجب استمرارهم على التقوى، وحث غيرهم عليها، وكان التعبير بـ: "ثم" لتأكيد معنى الاستمرار على التراخي، وهناك معنى يفيده التكرار، وهو تأكيد أن الماضي مهما يكن لا يؤثر في الحاضر، إذا كان الحاضر نقيا، وقد تأكد هذا بقوله سبحانه:

                                                          ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين العطف بـ: "ثم" هنا هو أيضا لتأكيد معنى الاستمرار مع الزمن، والتقوى كما قلنا هي امتلاء القلب بالخشية، وهذا للحث عليها، ولتشريف الذين يستمرون عليها، والإحسان إن اعتبرناه متعديا يكون مؤداه الإحسان إلى غيرهم بالمعاونة، وفعل الخير وإسدائه، والجود بالمال وغيره، ويصح أن يكون لازما والمراد الإحسان في ذات أنفسهم، كما قال النبي عليه السلام: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهذا أعلى مراتب التقوى وهو ما نراه، والله جل جلاله يحب المحسنين لأنهم قريبون منه.

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية