الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وبمناسبة العمل والجزاء، يعقب بالقاعدة العامة فيهما:

                                                                                                                                                                                                                                      من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .. فيقرر بذلك القواعد التالية:

                                                                                                                                                                                                                                      أن الجنسين: الذكر والأنثى. متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله. ومع أن لفظ "من" حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل: من ذكر أو أنثى لزيادة تقرير هذه الحقيقة. وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى، وضيق المجتمع بها، واستياء من يبشر بمولدها، وتواريه من القوم حزنا وغما وخجلا وعارا!

                                                                                                                                                                                                                                      وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة التي يرتكز عليها. قاعدة الإيمان بالله وهو مؤمن فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعا، وإلا فهي أنكاث. فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثا وغاية. فتجعل الخير أصيلا ثابتا يستند إلى أصل كبير. لا عارضا مزعزعا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل.

                                                                                                                                                                                                                                      وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض. لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال. فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب. وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة.. وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله.

                                                                                                                                                                                                                                      وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة.

                                                                                                                                                                                                                                      وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات.

                                                                                                                                                                                                                                      فما أكرمه من جزاء!.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 2194 ] ثم يأخذ السياق في شيء عن خاصة الكتاب. عن آداب قراءته. وعن تقولات المشركين عليه:

                                                                                                                                                                                                                                      فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .

                                                                                                                                                                                                                                      والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تمهيد للجو الذي يتلى فيه كتاب الله، وتطهير له من الوسوسة واتجاه بالمشاعر إلى الله خالصة لا يشغلها شاغل من عالم الرجس والشر الذي يمثله الشيطان.

                                                                                                                                                                                                                                      فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون فالذين يتوجهون إلى الله وحده، ويخلصون قلوبهم لله، لا يملك الشيطان أن يسيطر عليهم، مهما وسوس لهم فإن صلتهم بالله تعصمهم أن ينساقوا معه، وينقادوا إليه. وقد يخطئون، لكنهم لا يستسلمون، فيطردون الشيطان عنهم ويثوبون إلى ربهم من قريب.. إنما سلطانه على الذين يتولونه أولئك الذين يجعلونه وليهم ويستسلمون له بشهواتهم ونزواتهم، ومنهم من يشرك به. فقد عرفت عبادة الشيطان وعبادة إله الشر عند بعض الأقوام. على أن أتباعهم للشيطان نوع من الشرك بالولاء والاتباع.

                                                                                                                                                                                                                                      وعند ذكر المشركين يذكر تقولاتهم عن القرآن الكريم:

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا بدلنا آية مكان آية، والله أعلم بما ينزل قالوا: إنما أنت مفتر. بل أكثرهم لا يعلمون. قل: نزله روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى وبشرى للمسلمين. ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين. إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم. إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون ..

                                                                                                                                                                                                                                      إن المشركين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب. لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي. وأنه الرسالة الأخيرة التي ليست بعدها من السماء رسالة، وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع. فإذا بدل آية انتهى أجلها واستنفدت أغراضها، ليأتي بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة، وأصلح للبقاء بعد ذلك الدهر الطويل الذي لا يعلمه إلا هو، فالشأن له، ومثل آيات هذا الكتاب كمثل الدواء تعطى للمريض منه جرعات حتى يشفى، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية.

                                                                                                                                                                                                                                      إن المشركين لا يدركون شيئا من هذا كله، ومن ثم لم يدركوا حكمة تبديل آية مكان آية في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحسبوها افتراء منه وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذبا قط. بل أكثرهم لا يعلمون ..

                                                                                                                                                                                                                                      قل: نزله روح القدس من ربك بالحق .. فما يمكن أن يكون افتراء. وقد نزله روح القدس - جبريل عليه السلام - من ربك لا من عندك بالحق لا يتلبس به الباطل ليثبت الذين آمنوا الموصولة قلوبهم بالله، فهي تدرك أنه من عند الله، فتثبت على الحق وتطمئن إلى الصدق وهدى وبشرى للمسلمين بما يهديهم إلى الطريق المستقيم، وبما يبشرهم بالنصر والتمكين.

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وهذا لسان عربي مبين ..

                                                                                                                                                                                                                                      والفرية الأخرى بزعمهم أن الذي يعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا القرآن إنما هو بشر. سموه باسمه، واختلفت الروايات في تعيينه.. قيل: كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض [ ص: 2195 ] بطون قريش ، وكان بياعا يبيع عند الصفا ، وربما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذلك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال محمد بن إسحاق في السيرة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى سبيعة. غلام نصراني يقال له: جبر . عبد لبعض بني الحضرمي ، فأنزل الله: ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عبد الله بن كثير وعن عكرمة وقتادة : كان اسمه " يعيش " .

                                                                                                                                                                                                                                      وروى ابن جرير - بإسناده - عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم قنا بمكة وكان اسمه بلعام . وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا: إنما يعلمه بلعام. فأنزل الله هذه الآية..

                                                                                                                                                                                                                                      وأما ما كان فقد رد عليهم الرد البسيط الواضح الذي لا يحتاج إلى جدل: لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وهذا لسان عربي مبين فكيف يمكن لمن لسانه أعجمي أن يعلم محمدا هذا الكتاب العربي المبين؟

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يدبرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه. وإلا فكيف يقولون - وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه - إن أعجميا يملك أن يعلم محمدا هذا الكتاب. ولئن كان قادرا على مثله ليظهرن به لنفسه!

                                                                                                                                                                                                                                      واليوم، بعد ما تقدمت البشرية كثيرا، وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات، وعن نظم وتشريعات; يملك كل من يتذوق القول، وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية، والتشريعات القانونية أن يدرك أن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من عمل البشر.

                                                                                                                                                                                                                                      وحتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام 1954 كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد - هو محمد - بل من عمل جماعة كبيرة. وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية بل إن بعض أجزائه كتب خارجها!!!

                                                                                                                                                                                                                                      دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد. وعلى علم أمة واحدة.

                                                                                                                                                                                                                                      ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم: إنه من وحي رب العالمين. لأنهم ينكرون أن يكون لهذا الوجود إله، وأن يكون هناك وحي ورسل ونبوات!

                                                                                                                                                                                                                                      فكيف كان يمكن - وهذا رأي جماعة من العلماء في القرن العشرين - أن يعلمه بشر لسانه أعجمي عبد لبني فلان في الجزيرة العربية ؟!

                                                                                                                                                                                                                                      ويعلل القرآن هذه المقولة الضالة فيقول:

                                                                                                                                                                                                                                      إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ..

                                                                                                                                                                                                                                      فهؤلاء الذين لم يؤمنوا بآيات الله لم يهدهم الله إلى الحقيقة في أمر هذا الكتاب، ولا يهديهم إلى الحقيقة في شيء ما. بكفرهم وإعراضهم عن الآيات المؤدية إلى الهدى ولهم عذاب أليم بعد ذلك الضلال المقيم.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم يثني بأن الافتراء على الله لا يصدر إلا من مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون. ولا يمكن أن يصدر من الرسول الأمين: [ ص: 2196 ] إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله. وأولئك هم الكاذبون ..

                                                                                                                                                                                                                                      فالكذب جريمة فاحشة لا يقدم عليها مؤمن. وقد نفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث له صدورها عن المسلم، وإن كان يصدر عنه غيرها من الذنوب.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية