الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فرع

قال في الكتاب : يجوز بيع الجزاف من الطعام وسائر العروض جزافا وغيره قبل القبض من البائع وغيره ، ويحيله عليه إلا أن يكون ذلك بين أهل العينة فيمتنع بأكثر مما ابتعت ; لأنهم يتحيلون بذلك على السلف بزيادة .

قال ابن يونس : قال مالك : إذ اشترى نصف ثمرة جزافا أو نصف صبرة جزافا ، رجع مالك إلى جواز البيع قبل النقل ، وإن استحب النقل للحديث .

[ ص: 139 ] فرع

قال : يمتنع البيع بقبض وكله فيه عبده أو مدبره أو أم ولده أو امرأته أو من هو كذلك ; لأنه كتوكيله لبيعهم له .

فرع

قال : تمتنع المقاصة بين الطعامين من سلم ; لأنه بيع قبل القبض ، وإن كان أحدهما من قرض ، واتفقا أجلا وصفة ومقدارا جاز إن حل الأجلان ; لأن بيع القرض معروف ، ويمتنع قبل الحلول ; لأنه دين بدين ، قال اللخمي : قال ابن القاسم : يمتنع وإن تساوت رءوس الأموال ، وجوزه أشهب ، وجعله إقالة ، فإن اختلفت رءوس الأموال امتنع ، إلا أن يكون باطنها على السلم فيصح ويكون قضاء ، وكذلك الحوالة على طعام السلم ، وأجازها أشهب ، وإذا تساوت رءوس الأموال ; لأنهما لو شاءا عملاها تولية ، وإن كان أحدهما من قرض أجازه ابن القاسم إذا خلا ، وأشهب إذا حل أحدهما .

قال أيضا سحنون : إذا حل السلم ، وجوزه ابن حبيب وإن لم يحلا . قال : وهو أبين ; لأن الذمم تبرأ من الآن ، قال سند : وجوز أشهب المقاصة بين المسلمين إذا اتفقا كيلا وصفة ، وراعى الثمنين في الموارثة إذا اتفق رأس مالهما قدرا وصفة جاز ; لأنه إبراء ، فعلى رأي أشهب يمتنع إذا اختلف جنس الثمنين خشية أن يؤخذ الثمن الثاني عن الطعام ، والأظهر الإبراء لبعد ذلك إذا اتحد الجنس [ ص: 140 ] واختلف المقدار ; لأن كثرة الأول سلف بزيادة ، وقلته إقالة من رأس السلم بزيادة على أقل منه ، فإن كان أحدهما من سلم الآخر من قرض ، وكلاهما جنس ، ولم يحل أجلهما ، قال ابن حبيب : يجوز إذا اتفق أجلهما ، قاله جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم وأشهب وأبى المنع ; لأنه بيع الطعام قبل قبضه ، وبيع الدين بالدين ومتى كان الأجل قائما فأمرهما على المكايسة ، ولو اختلف الأجل لم تجز المقاصة ، فإن حل أجل السلم جازت المقاصة عند أشهب ، وفي المجموعة : يجوز أن يحيل ما قد حل فيما لم يحل ، كان سلفا أو بيعا ، فإن كان السلف الذي حل فهو قصاص من سلم ، أو السلم فقد أعطاه من قرض فلا كراهة ، وقيل : إن حل السلم جاز ; لأن المسلم تعجيل ما عليه من القرض ، ويجبر غريمه على أخذه بخلاف حلول القرض ، فإن المسلم لا يملك إسقاط أجل السلم إلا بالتراضي .

فرع

قال : إذا أجلت البائع بثمن الطعام فأخذ من المحال عليه طعاما امتنع ، كان البائع باع بنقد أو بنسيئة .

فرع

قال : لو وكلت في قبض الثمن فتعدى الوكيل عليه ، جاز أخذك طعاما منه لضعف التهمة ، قاله ابن حبيب ، فلو أقرضت الثمن قبل قبضه قال التونسي : يمتنع أن يأخذ المقرض من المشتري به طعاما ; لأنه كالدين يحيل به على ثمن طعام ، ولو بعت حنطة بذهب إلى أجل ، واشتريت من أجنبي تمرا بذلك الذهب ، وأحلته به عليه أجازه مالك في الموطأ ، قال الباجي : معناه [ ص: 141 ] اشتراء التمر على ذمته ; لأنه أخذ بثمن الحنطة تمرا ، قال سند : ولا حاجة إلى هذا التفسير ; لأنا إنما نمنع من أخذ الطعام في ثمن الطعام خشية النسيئة في الطعام ، والمبتاع هاهنا إنما دفع ذهبا ، فلو اشتريت عند الأجل من المبتاع بذهب طعاما يخالف الأول ، ولم تشترط أنه من ثمن الأول : منع مالك المقاصة ، وقال : يرد الطعام الثاني ; لأنه عقد النسيئة ، وقال ابن القاسم : يؤدي ذهب التمر ويأخذ ذهب قمحه ; لزوال التهمة بذلك فلو أخذ بالثمن كفيلا فدفعه إليك أو رجل متبرع كان له أخذ طعام من المبتاع من صنفه وغير صنفه أقل أو أكثر ، قاله ابن القاسم ; لأن الكفيل مقرض ، وليس له ثمن طعام .

فرع

قال : إذا استقرض البائع طعاما ليقضيه للمبتاع ، وأمر المقرض بدفعه للمبتاع امتنع بيع المبتاع له من القرض ، إلا أن يأخذ فيه رأس ماله لبيعه إياه قبل قبضه ، فلو قبضه ، وطالب المقرض بالطعام جاز أن يبتاعه منه ; لأنه قرض وطعام البائع قد قبض .

فرع

قال : فلو كان لك عليه طعام من سلم فقال : بعني طعاما لأقضيك : منعه مالك ; لأنه بيع له قبل قبضه ، قال ابن القاسم : يجوز بمثل رأس المال نقدا دون الأقل والأكثر .

فرع

قال المازري : أجرى بعض الأشياخ الخلاف في أخذ الطعام في ثمن الطعام [ ص: 142 ] إذا كانت قيمة الثاني أقل بكثير لعدم التهمة .

فرع

قال : إذا اشترى طعاما عشرة بدرهم ، فدفع درهما ناقصا فأمسك البائع بقدره من الطعام ، منعه ابن حبيب ; لأنه أخذ طعاما من ثمن الطعام ، وبيع الطعام قبل قبضه ، ويفاضل بين القبضتين ، وتفاضل بين الطعامين ، لأن الجملة المبيعة مقابلة بالجملة المأخوذة ثانيا .

فرع

في الجواهر : الدين كالعين الحاضرة في جواز البيع بشرط قبض البدل في المجلس ، ويشترط في بيعه من غير من هو عليه إقراره بالدين وحضوره هنا للغرر .

فرع

في الكتاب : إذا أسلفته قبل القبض فقبضه المستسلف لا تبعه منه قبل قبضك إياه ، وإن جاز بيع القرض قبل قبضه ; لأنه ذريعة للبيع في العقد الأول قبل القبض ، قال ابن يونس : قال محمد : في اليسير من الكثير ، وكأنه وكيل على قبضه ، ولا يجوز بيعه قبل القبض من المقترض ولا من غيره إلا بمثل رأس المال ، فيكون كالإقالة أو التولية ، وكذلك لو أحلت بطعام من بيع على قرض فلا يبيعه المحال قبل القبض إلا كذلك .

فرع

قال ابن يونس : إذا اشترى من التمر كيلا معلوما دون الثلث ، فهل له بيعه قبل قبضه وجذاذه لأنه مبغي على ملكه ، أو يمتنع ; لأنه مبيع مشترى ، روايتان عند مالك .

[ ص: 143 ] فرع

كل ما أسلمت فيه من العروض يجوز بيعه قبل قبضه من غير بائعك بجميع الأثمان إلا بصنفه ، ومن بايعك بمثل الثمن فأقل لعدم التهمة وألغاه عبد العزيز بن أبي سلمة ، قال ابن يونس : يريد : لا يبيعه بصنفه من غير البائع إذا كان أقل أو أكثر ، وزاد في كلام الكتاب قبل الأجل فيكون الأقل سلفا بزيادة ، ولا يتجه الأكثر إلا إلى أجل أبعد ، فيكون المسلم يسلم عند الأجل أقل ليأخذ أكثر بعد ذلك ، ولم يوجه إلغاء عبد العزيز ، والذي يتجه فيه تخصيصه بالنقدين لتوقع صرف مستأخر .

فائدة : ذكر في الكتاب : الثياب الفرقبية ، قال في التنبيهات : بضم الفاء أولا والقاف آخرا وآخره باء بواحدة كذا سمعناه ، وقيل : بالقاف أولا وآخرا ، وهي ثياب بيض من كتان ، وقال في كتاب العين : بقافين ، وقال الخطابي : بالفاء أولا ، وقال : لعلها نسبة إلى فرقوب وحذفت الواو في النسب .

فرع

قال : قال في الكتاب : يجوز بيع زريعة الفجل الأبيض ، وزريعة السلق ، والكراث ، والجوز ، والبطيخ الفارسي والأخضر ، والقثاء قبل قبضه ; لأنه ليس بطعام ، وإن كان يخرج منه طعام ، كالنوى يخرج منه النخل ذات الطعام ، وتمنع زريعة الفجل الأحمر ، والقرطم لما فيهما من الزيت ، وكذلك الفلفل ، والقرفاء ، والسنبل ، والكرفص ، والكروية ، والشونيز ، والكمون الأسود ، والملح ، والشمار ، والكمون الأبيض ; لأنها طعام ، وخالف محمد في الأربعة الأخيرة ، وجعلها إداما .

قال ابن القاسم : والحلبة طعام خلافا لابن حبيب ، وقال أصبغ : الخضراء طعام ، بخلاف اليابسة ، فإنها دواء ، وقال ابن [ ص: 144 ] حبيب : حب الرشاد ليس بطعام ، بخلاف الخردل لاستعماله في السمك وغيره ، والزعفران ليس بطعام اتفاقا ، قال اللخمي : في المدونة : الفلفل ونحوه طعام وعنه : ليس بطعام ، وفي الكتاب : الماء ليس بطعام ; لأنه ينفق الغذاء ولا يغذي ، قال ابن يونس : وعنه يمتنع بيعه إلى أجل ، فيكون طعاما ، ولأن الحاجة إليه أكثر من الخبز ، ولأن الخبز يقوم غيره مقامه بخلافه .

فرع

في الكتاب : إذا كاتب بطعام جاز بيعه قبل قبضه من المكاتب خاصة ; لأن معاملة العبد ليست حقيقة ; لأنه بيع مالك بمالك ، ولا يجوز ذلك في نجم بل في الجميع ، لحصول العتق عقيبه ، قال ابن يونس : وقيل : يجوز في البعض ; لأن الكتابة ليست بدين ثابت ، ولا يخلص بها عنده المكاتب ، ويجوز بيعها ، قال اللخمي : وأرى بيعها من المكاتب وغيره إذا كانت قدر الخراج ; لأنها غلة ، وإن كانت أكثر بالشيء الكثير أو من غير الخراج امتنع بيعها .

فرع

قال ابن يونس : قال مالك : طعام الكراء والصلح من دم العمد والمخالعة كطعام البيع في الجواز في الجزاف ، والمنع في غيره لاندراجه في صيغة الحديث .

وكذلك أرزاق القضاة وغيرها ; لأنه في معنى المعاوضة على العمل ، بخلاف مثل أرزاق أزواجه عليه السلام في زمن عمر رضي الله عنهم أجمعين ، وبخلاف [ ص: 145 ] الهبات والميراث والسلف والصدقة ; لأن جميع ذلك ليس بيعا ، فلا يتناوله الحديث ، قال اللخمي : ويجوز للمقترض بيع ما اقترضه قبل قبضه ، وكذلك المقرض ; لأن الدين غير المعاوضة ، ولهذا ليس معاوضة بل معروفا ، وإلا كان بيع الطعام نسيئة ، ويجوز قرض طعام السلم قبل قبضه ، ويمتنع بيع المقرض له قبل قبضه ; لأنه على حكم السلم ما دام في الذمة .

ولو تطوع رجل بقرض ذلك السلم إليه ويقبضه عنه لم يجز للذي له السلم بيعه قبل قبضه للحديث ; لأنه مبتاع ، وكذلك إذا كانت الهبة والصدقة طعام سلم الأجنبي يمتنع البيع على الموهوب والمتصدق عليه ; لأنهما منزلان منزلة الأصل ، وعن مالك : الجواز ; لأن يد المشتري قد خرجت ، وضابطه : متى كانت يد المسلم باقية على سلمه ، وهو القابض امتنع البيع ، كان المقبوض منه والمسلم إليه ، أو واهبا أو متصدقا أو مقرضا ; لقوله عليه السلام : ( من ابتاع طعاما فلا يبعه . . . ) الحديث ، وإذا زالت يده وكان القابض موهوبا له أو متصدقا عليه جاز ; لأنه لم يبع طعاما ، وأخرج الحنفي من بيع الطعام قبل قبضه : المهر والخلع والجعل ، وقال ابن حنبل : كل عرض ينفسخ عقده بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه قبل القبض ، كالأجرة والصلح ، بخلاف العتق والخلع ، ويدل الصلح عن دم العمد ، وأرش الجناية ، وقيمة المتلف ; لأن العقد لا ينفسخ بالتلف ، فانتفى غرر الانفساخ بالهلاك ، فلا يبنى عليه عقد آخر مع هذا الغرر ، ولا تصح حوالة المسلم في السلم ، واتفق الجميع على القرض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث