الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى ( أو أكننتم في أنفسكم )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بقوله : " أو أكننتم في أنفسكم " أو أخفيتم في أنفسكم ، فأسررتموه ، من خطبتهن ، وعزم نكاحهن وهن في عددهن ، فلا جناح عليكم أيضا في ذلك ، إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله .

يقال منه : " أكن فلان هذا الأمر في نفسه ، فهو يكنه إكنانا " و " كنه " إذا ستره ، " يكنه كنا وكنونا " و " جلس في الكن " ولم يسمع " كننته في نفسي " وإنما يقال : " كننته في البيت أو في الأرض " إذا خبأته فيه ، ومنه قوله - تعالى ذكره - : ( كأنهن بيض مكنون ) [ سورة الصافات : 49 ] ، أي مخبوء ، ومنه قول الشاعر :


ثلاث من ثلاث قداميات من اللائي تكن من الصقيع

[ ص: 103 ] و " تكن " بالتاء ، وهو أجود ، و " يكن " . ويقال : " أكنته ثيابه من البرد " " وأكنه البيت من الريح " .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

5126 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أو أكننتم في أنفسكم " قال : الإكنان : ذكر خطبتها في نفسه ، لا يبديه لها . هذا كله حل معروف .

5127 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله .

5128 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " أو أكننتم في أنفسكم " قال : أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ، ولا يتكلم بشيء .

5129 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم : أنه سمع القاسم بن محمد يقول ، فذكر نحوه .

5130 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " أو أكننتم في أنفسكم " قال : جعلت في نفسك نكاحها وأضمرت ذلك .

[ ص: 104 ] 5131 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا مهران وحدثني علي قال : حدثنا زيد جميعا ، عن سفيان : " أو أكننتم في أنفسكم " أن يسر في نفسه أن يتزوجها .

5132 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا هوذة قال : حدثنا عوف ، عن الحسن في قوله : " أو أكننتم في أنفسكم " قال : أسررتم .

قال أبو جعفر : وفي إباحة الله - تعالى ذكره - ما أباح من التعريض بنكاح المعتدة لها في حال عدتها وحظره التصريح ، ما أبان عن افتراق حكم التعريض في كل معاني الكلام وحكم التصريح ، منه . وإذا كان ذلك كذلك ، تبين أن التعريض بالقذف غير التصريح به ، وأن الحد بالتعريض بالقذف لو كان واجبا وجوبه بالتصريح به ، لوجب من الجناح بالتعريض بالخطبة في العدة ، نظير الذي يجب بعزم عقدة النكاح فيها . وفي تفريق الله - تعالى ذكره - بين حكميها في ذلك ، الدلالة الواضحة على افتراق أحكام ذلك في القذف .

التالي السابق


الخدمات العلمية