الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل في رؤية الهلال قال ( وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، فإن رأوه صاموا ، وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ، ثم صاموا ) لقوله صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما }ولأن الأصل بقاء الشهر ، فلا ينتقل عنه إلا بدليل ، ولم يوجد .

التالي السابق


الحديث الرابع : قال عليه السلام : { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما } ، قلت : أخرجه البخاري ، ومسلم عن أبي هريرة ، واللفظ للبخاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه ، فأفطروا ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين }. انتهى .

وفي لفظ لهما : { فعدوا ثلاثين } ، وفي لفظ : { فأكملوا العدة } ، وفي لفظ : { فصوموا ثلاثين يوما } ، والمصنف رحمه الله احتج بهذا الحديث على أن اليوم الثلاثين من شعبان يوم شك إذا غم هلال رمضان ، وأنه لا يجوز صومه إلا تطوعا ، قال ابن الجوزي في " التحقيق " : وأصح الروايتين عن أحمد رضي الله عنه ، أنه يجب صومه بنية من رمضان ، ولا يسمى يوم شك ، قال : ويوم الشك فسره أحمد بأن يتقاعد الناس عن طلب الهلال ، أو يشهد برؤيته من يرد الحاكم شهادته ، ونقل هذا القول عن جماعة من الصحابة ، والتابعين رضي الله عنهم ، واستدل لأصحابنا ، ومن قال بقولهم ، بأربعة أحاديث : أحدها : حديث البخاري المتقدم : { فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } ، ثم أجاب عنه بأن الإسماعيلي قال في " صحيحه " الذي خرجه على البخاري : تفرد به البخاري عن آدم عن شعبة ، فقال فيه : { فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما } ، وقد رويناه عن غندر ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وابن علية ، وعيسى بن يونس ، وشبابة ، وعاصم بن علي ، والنضر بن شميل ، ويزيد بن هارون . كلهم عن شعبة ، لم يذكر أحدا منهم : { فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ، وإنما قالوا فيه : فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين }.

قال الإسماعيلي : فيجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده ، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا اللفظ من بين من رواه عنه وجه ، قال ابن الجوزي رحمه الله : فعلى هذا يكون المعنى : { فإن غم عليكم رمضان فعدوا ثلاثين } ، ولا يصير لهم فيه حجة ، على أن أصحابنا يؤولون ما انفرد به البخاري من ذكر شعبان ، فقالوا : نحمله على ما إذا غم هلال رمضان ، وهلال شوال ، فإنا نحتاج إلى إكمال شعبان ثلاثين ، احتياطا للصوم ، فإنا وإن كنا قد صمنا يوم الثلاثين من شعبان ، فلسنا نقطع بأنه من رمضان ، ولكنا صمناه حكما ، قال : ويدل على ما قلناه شيئان : أحدهما : عود الضمير على أقرب مذكور ، وهو قوله : وأفطروا لرؤيته . الثاني : أن مسلما رواه مفسرا : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما . انتهى كلامه . قال صاحب " التنقيح " : وما ذكره الإسماعيلي من أن آدم بن أبي إياس يجوز أن يكون رواه على التفسير من عنده للخبر ، فغير قادح من صحة الحديث ، لأن النبي عليه السلام إما أن يكون قال اللفظين ، وهو ظاهر اللفظ ، وإما أن يكون قال أحدهما وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى ، فإن اللام في قوله : { فأكملوا العدة }للعهد أي عدة الشهر والنبي عليه السلام لم يخص بالإكمال شهرا دون شهر ، إذا غم ، فلا فرق بين شعبان وغيره ، إذ لو كان شعبان غير مراد من هذا الإكمال لبينه ، لأن ذكر الإكمال عقيب قوله : صوموا وأفطروا ، فشعبان وغيره مراد من قوله : فأكملوا العدة ، فلا تكون رواية : فأكملوا عدة شعبان مخالفة لرواية : فأكملوا العدة ، بل مبينة لها . أحدهما : أطلق لفظا يقتضي العموم في الشهر ، والثاني : ذكر فردا من الأفراد ، قال : ويشهد له حديث أخرجه أبو داود ، والترمذي عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا : { لا تصوموا قبل رمضان ، صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن حال بينكم وبينه سحاب ، فكملوا العدة ثلاثين ، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا }.

قال الترمذي : حديث حسن صحيح . ورواه ابن خزيمة ، وابن حبان في " صحيحيهما " ، ورواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس : { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة ، فأكملوا شهر شعبان ثلاثين ، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان }. قال : وبالجملة فهذا الحديث نص في المسألة ، وهو صحيح كما قال الترمذي ، وسماك ، وثقه أبو حاتم ، وابن معين ، وروى له مسلم في " صحيحه " قال : والذي دلت عليه الأحاديث في هذه المسألة ، وهو مقتضى القواعد : أن كل شهر غم أكمل ثلاثين ، سواء في ذلك شعبان ، ورمضان ، وغيرهما ، وعلى هذا يكون قوله : { فإن غم عليكم ، فأكملوا العدة }راجعا إلى الجملتين ، وهما قوله : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ، أي غم عليكم في صومكم ، أو فطركم ، هذا هو الظاهر من اللفظ ، وباقي الأحاديث تدل على ذلك ، كقوله : { فإن غم عليكم ، فأقدروا له } ، انتهى .

الحديث الثاني : أخرجه أبو داود ، والنسائي عن جرير عن منصور عن ربعي عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال ، أو تكملوا العدة قبله ، ثم صوموا حتى تروا الهلال ، أو تكملوا العدة قبله }انتهى . ورواه ابن حبان في " صحيحه " ، وأخرجه النسائي أيضا عن سفيان عن منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النبي عليه السلام ، فذكره أيضا ، وأخرجه أيضا عن الحجاج بن أرطاة عن منصور عن ربعي ، فذكره عن النبي عليه السلام مرسلا ، وقال : لا أعلم أحدا من أصحاب منصور قال فيه : عن حذيفة غير جرير . انتهى .

قال ابن الجوزي : وحديث حذيفة هذا ضعفه أحمد ، ثم هو محمول على حال الصحو ، لأنه لم يذكر فيه الغيم ، أو على ما إذا غم هلال رمضان ، وهلال شوال ، كما سبق ، قال في " التنقيح " : وهذا وهم منه ، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال : عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام ، وإن تسمية حذيفة ، وهم من جرير ، فظن ابن الجوزي أن هذا تضعيف من أحمد للحديث ، وأنه مرسل ، وليس هو بمرسل ، بل متصل ، إما عن حذيفة ، وإما عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام ، وجهالة الصحابة غير قادحة في صحة الحديث ، قال : وبالجملة فالحديث صحيح ، ورواته ثقات ، محتج بهم في الصحيح . انتهى .

الحديث الثالث : أخرجه أبو داود عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم رمضان لرؤيته ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام . انتهى .

ورواه الدارقطني وقال : إسناده صحيح ، قال ابن الجوزي : وهذه عصبية من الدارقطني ، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به ، قال في " التنقيح " : ليست العصبية من الدارقطني ، وإنما العصبية منه ، فإن معاوية بن صالح ثقة صدوق ، وثقه أحمد بن حنبل ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأبو زرعة . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه ، فقال : حسن الحديث ، صالح الحديث . واحتج به مسلم في " صحيحه " ، ولم يرو شيئا خالف فيه الثقات ، وكون يحيى بن سعيد كان لا يرضاه ، غير قادح فيه ، فإن يحيى شرطه شديد في الرجال ، وكذلك قال : لو لم أرو إلا عمن أرضى ، ما رويت إلا عن خمسة . وقول أبي حاتم : لا يحتج به ، غير قادح أيضا ، فإنه لم يذكر السبب ، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح الثقات الأثبات من غير بيان السبب ، كخالد الحذاء ، وغيره ، والله أعلم .

الحديث الرابع : روى ابن الجوزي من طريق الإمام أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي بسنده عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد ، قال : { أصبحنا يوم الثلاثين صياما ، وكان الشهر قد أغمي علينا ، فأتينا النبي عليه السلام ، فأصبناه مفطرا ، فقلنا : يا نبي الله صمنا اليوم ، فقال أفطروا ، إلا أن يكون رجلا يصوم هذا اليوم فليتم صومه }; لأن أفطر يوما من رمضان يتمارى فيه ، أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان ليس منه يعني من رمضان قال الخطيب : ففي هذا الحديث كفاية عما سواه ، وشنع ابن الجوزي على الخطيب في روايته لهذا الحديث تشنيعا كثيرا ، وقال : إنه حديث موضوع على ابن جراد ، لا أصل له ، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين ترخصوا في ذكر الأحاديث الضعيفة ، وإنما هو نسخة يعلى بن الأشدق عن ابن جراد ، وهو نسخة موضوعة ، قال أبو زرعة : يعلى بن الأشدق ليس بشيء ، وقال ابن عدي : يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد أحاديثه منكرة ، وهو وعمه غير معروفين .

وقال البخاري رحمه الله : لا يكتب حديثه ، وقال ابن حبان : لا تحل الرواية عنه انتهى . ووافقه صاحب " التنقيح " على جميع ذلك ، وأقره عليه ، والله أعلم بالصواب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث