الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 8173 ) مسألة ; قال : ( ومن نذر أن يطيع الله - عز وجل ، لزمه الوفاء به ، ومن نذر أن يعصيه ، لم يعصه ، وكفر كفارة يمين ) ، ونذر الطاعة ; الصلاة ، والصيام ، والحج والعمرة ، والعتق ، والصدقة ، والاعتكاف ، والجهاد ، وما في هذه المعاني ، سواء نذره مطلقا بأن يقول : لله علي أن أفعل كذا وكذا . أو علقه بصفة مثل قوله : إن شفاني الله من علتي ، أو شفى فلانا ، أو سلم مالي الغائب . أو ما كان في هذا المعنى ، فأدرك ما أمل بلوغه من ذلك ، فعليه الوفاء به .

ونذر المعصية ، ، أن يقول : لله علي أن أشرب الخمر ، أو أقتل النفس المحرمة . وما أشبهه ، فلا يفعل ذلك ، ويكفر كفارة يمين ; وإذا قال : لله علي أن أركب دابتي ، أو أسكن داري ، أو ألبس أحسن ثيابي . وما أشبهه ، لم يكن هذا نذر طاعة ولا معصية ، فإن لم يفعله كفر كفارة يمين ; لأن النذر كاليمين .

وإذا نذر أن يطلق زوجته ، استحب له أن لا يطلقها ، ويكفر كفارة يمين . وجملته أن النذر سبعة أقسام ; أحدها ، نذر اللجاج والغضب ، وهو الذي يخرجه مخرج اليمين ، للحث على فعل شيء أو المنع منه ، غير قاصد به للنذر ، ولا القربة ، فهذا حكمه حكم اليمين ، وقد ذكرناه في باب الأيمان .

والقسم الثاني ، نذر طاعة وتبرر ; مثل الذي ذكر الخرقي . فهذا يلزم الوفاء به ; للآيتين والخبرين ، وهو ثلاثة أنواع ; أحدها ، التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها ، أو نقمة استدفعها ، كقوله : إن شفاني الله ، فلله علي صوم شهر . [ ص: 68 ] فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع ، كالصوم والصلاة والصدقة والحج ، فهذا يلزم الوفاء به ، بإجماع أهل العلم .

النوع الثاني ، التزام طاعة من غير شرط ، كقوله ابتداء : لله علي صوم شهر . فيلزمه الوفاء به في قول أكثر أهل العلم . وهو قول أهل العراق . وظاهر مذهب الشافعي . وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به ; لأن أبا عمر غلام ثعلب قال : النذر عند العرب وعد . بشرط . ولأن ما التزمه الآدمي بعوض ، يلزمه بالعقد ، كالمبيع والمستأجر ، وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة .

النوع الثالث ، نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب ، كالاعتكاف وعيادة المريض ، فيلزم الوفاء به ; لأن النذر فرع على المشروع ، فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع . ولنا : قول النبي صلى الله عليه وسلم : { من نذر أن يطيع الله فليطعه } . وذمه الذين ينذرون ولا يوفون ، وقول الله تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } .

وقد صح { أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك } . ولأنه ألزم نفسه قربة على وجه التبرر ، فتلزمه ، كموضع الإجماع ، وكما لو ألزم نفسه أضحية ، أو أوجب هديا ، وكالاعتكاف ، وكالعمرة ، فإنهم قد سلموها ، وليست واجبة عندهم ، وما ذكروه يبطل بهذين الأصلين ، وما حكوه عن أبي عمر لا يصح فإن العرب تسمي الملتزم نذرا ، وإن لم يكن بشرط ، قال جميل :

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني

والجعالة وعد بشرط ، وليست بنذر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث