الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أو لعربي ما أنت بحر ، [ ص: 280 ] أو يا رومي كأن نسبه لعمه ، بخلاف جده ، [ ص: 281 ] وكأن قال : أنا نغل

التالي السابق


( أو ) قوله ( ل ) شخص ( عربي ) أي منسوب للعرب الذين يتكلمون باللغة العربية سجية سواء سكنوا حاضرة أو بادية لكونه منهم ( ما ) نافية ( أنت بحر ) فيحد لأنه نفى نسبه . ابن مرزوق انظر هذا مع صحة تسليط الرقية على العرب وأنهم كغيرهم على المشهور في صحة استرقاقهم وضرب الجزية عليهم ، قال ولم أر من ذكر ما أنت بحر سوى المصنف وابن الحاجب ا هـ . وأشار ابن الحاجب إلى الجواب بأن الأحكام تعتبر فيها الغلبة ولا عبرة بما قل ، وفيه نظر ، لأن بحث ابن مرزوق في ثبوت أصل الحكم لا في توجيهه فما قاله ابن الحاجب لا سلف له فيه لا يقال في ابن عرفة ، وفيها من قال لعربي يا مولى [ ص: 280 ] أو يا عبد حد . ا هـ . وهما متساويان ، لأنا نقول ليسا بمتساويين لأن ما أنت بحر من قبيل التلويح والكناية لتعدد الانتقال ومولى وعبد من قبيل التعريض لاتحاده ، وفيه ورد النص عن عمر " رضي الله عنه " بالحد ، هذا مختار ابن الحاجب الذي هو متبوع المصنف في هذا الفرع خلافا لغيره في إطلاق التعريض على القسمين .

ونص ابن الحاجب والتعريض إن كان مفهوما كالصريح مثل أما أنا فلست بزان والكناية كذلك مثل ما أنت بحر أو يا رومي أو يا فارسي لعربي ، قال في التوضيح بعد تقرير كلام ابن الحاجب وفيه نظر لأن دلالة التعريض أقوى من دلالة الكناية والوارد عن عمر " رضي الله عنه " إنما هو في التعريض ، وهذا أصل الباب فلا يصح قياس الكناية عليه ا هـ .

وقوله فلا يصح إلخ ، اعتراض على ابن الحاجب في إلحاق الكناية بالتعريض ، وهو عين إشكال ابن مرزوق ، ويلزم ابن الحاجب اعتراض آخر وهو عبد يا رومي ويا فارسي من الكناية فإنهما من التعريض ، ولذا قصر ابن مرزوق اعتراضه على ما أنت بحر وذكر الناس الحد في يا رومي ويا فارسي ، ولم يتعرضوا لما أنت بحر ، قاله شيخ شيوخنا العلامة ابن زكري ، قاله البناني .

( أو ) قوله لعربي ( يا رومي ) أو يا نبطي أو يا بربري أو يا قبطي فيحد لقطعه نسبه . ابن عرفة فيها من قال لعربي لست من العرب ، أو قال له يا حبشي أو يا فارسي أو يا رومي أو يا بربري حد ، وإن قال لفارسي أو بربري يا عربي فلا يحد . واختلف قول مالك فيمن قال لبربري أو لرومي يا حبشي هل يحد أو لا ، وأرى أن لا حد عليه .

وشبه في الحد فقال ( كأن ) بفتح الهمز وسكون النون حرف مصدري مقرون بكاف التشبيه صلته ( نسبه ) أي المكلف الحر المسلم ( لعمه ) أو زوج أمه بأن قال له يا ابن فلان ، وفلان عمه أو زوج أمه فيحد لقطعه نسبه عن أبيه ( بخلاف ) نسبته ل ( جده ) لأبيه أو أمه فلا توجب الحد بأن قال له أنت ابن فلان وهو جده لأن الجد أب ، فقد صدق في نسبته له لقوله تعالى { ملة أبيكم إبراهيم } ، وسواء كان في مشاتمة [ ص: 281 ] أو غيرها قال ابن القاسم في المدونة ، وقال أشهب يحد . ابن عرفة فيها إن قال له أنت ابن فلان فنسبه إلى جده ولو في مشاتمة فلا يحد ، وكذا لو نسبه إلى جده لأمه ولو نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه حد ، وكذا لو نسبه إلى غير أبيه على غير سباب .

ولما ذكر الباجي قول ابن القاسم لا يحد ، قال وقال أشهب يحد ، قال محمد قول ابن القاسم أحب إلي إلا أن يعرف أنه أراد القذف ، مثل أن يتهم جده بأمه ونحوه وإلا فلا يحد قد ينسب إليه في خلق أو طبع ، ثم ذكر قول ابن القاسم في نسبته إياه إلى عم أو خال أو زوج أم ، قال وقال أشهب لا حد عليه إلا أن يقوله في مشاتمة وقاله أصبغ ومحمد ، قال أصبغ قد سمى الله تعالى العم أبا فقال { إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ونحوه نقل اللخمي وابن شاس ، وظاهره أو نصه أن قول أصبغ كقول أشهب . وقال ابن الحاجب لو نسبه إلى جده في مشاتمة فلا يحد إلا ببيان القذف بخلاف عمه ، وقال أشهب يحد فيهما ، وقال أصبغ لا يحد فيهما بخلاف خاله وزوج أمه ، وما نقله عن أصبغ خلاف نقل من تقدم عنه ولعله أخذ نص قول أصبغ بالجد والعم من مفهوم استدلاله .

وعطف على المشبه في الحد مشبها آخر فيه فقال ( وكأن ) بفتح فسكون حرف مصدري صلته ( قال ) المكلف في حق نفسه ( أنا نغل ) بفتح النون وكسر الغين المعجمة . الجوهري أي فاسد النسب . الزبيدي أي ولد زانية فيحد لقذفه أمه . ابن عرفة ابن شاس أبو عبد الله بن هارون المالكي البصري القاضي من قال لرجل يا نغل يحد لأنه قذفه ولو قال الرجل لنفسه هو نغل يحد لأنه قذف أمه ، وكذا لو نسب نفسه لبطن أو نسب أو عشيرة غير بطنه ونسبه وعشيرته حد لأنه قذف أمه . قلت اللفظة بالنون والغين المعجمة . الجوهري نغل الأديم بالكسر ، أي فسد فهو نغل ، ومنه قولهم فلان نغل إذا كان فاسد النسب . قلت ينبغي ضبط الغين بالكسر على وزن حذر .

ابن عبد السلام طرد هذا أن من قال لرجل يا ولد الزنا ثم عفا المقول له ذلك عن القاذف [ ص: 282 ] أن لأمه القيام بحقها في الحد . قلت هذا اللازم حق وهو مقتضى قولها من قال لعبده وأبواه حران مسلمان لست لأبيك ضرب الحد ، وقال اللخمي ذكر سحنون عن أشهب لا حد على من قطع نسب عبد وإن كان أبواه حرين لأنه يصح أنها أتت به وزعمت أنها ولدته فلا يكون قاذفا لواحد منهما .




الخدمات العلمية