الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا كان ما شهدت به بينة لا يتعارض مع ما شهدت به الأخرى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 8528 ) فصل : وإذا ادعى سالم أن سيده أعتقه في مرض موته ، وادعى عبده الآخر غانم أنه أعتقه في مرض موته ، وكل واحد منهما ثلث ماله ، فأقام كل واحد منهما بدعواه بينة فلا تعارض بينهما ; لأن ما شهدت به كل بينة لا ينفي ما شهدت به الأخرى ، ولا تكذب إحداهما الأخرى ، فيثبت إعتاقه لهما ، ثم ينظر ، فإن كانت البينتان مؤرختين بتاريخين مختلفين ، عتق الأول منهما . ورق الثاني ، إلا أن يجيز الورثة ، لأن المريض إذا تبرع بتبرعات ، يعجز ثلثه عن جميعها ، قدم الأول فالأول ، وإن اتفق تاريخهما ، أو أطلقتا ، أو إحداهما ، فهما سواء ; لأنه لا مزيه لإحداهما على الأخرى ، فيستويان ، ويقرع بينهما ، فمن خرجت له القرعة ، عتق ، ورق الآخر ، إلا أن يجيز الورثة ; لأنه لا يخلو ; إما أن يكون أعتقهما معا ، فيقرع بينهما ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عند موته ، ولم يكن له مال غيرهم ، أو يكون أعتق أحدهما قبل صاحبه ، وأشكل علينا ، فيخرج بالقرعة ، كما في مسألة الطائر .

وقيل : يعتق من كل واحد نصفه . وهو قول للشافعي ; لأنه أقرب إلى التعديل بينهما فإن في القرعة ، قد يرق السابق المستحق للعتق ، ويعتق الثاني المستحق للرق ، وفي القسمة لا يخلو المستحق للعتق من حرية ، ولا المستحق للرق من رق ، ولذلك قسمنا المختلف فيه على إحدى الروايتين ، إذا تعارضت به بينتان . والأول المذهب ; لأنه لا يخلو من شبهة بإحدى الصورتين اللتين ذكرناهما . والقرعة ثابتة في كل واحدة منهما . وقولهم : إن في القرعة احتمال إرقاق نصف الحر . قلنا : وفي القسمة إرقاق نصف الحر يقينا ، وتحرير نصف الرقيق يقينا ، وهو أعظم ضررا . وإن كانت قيمة أحدهما الثلث ، وقيمة الآخر دون الثلث ، فكان الأول أو الذي خرجت قرعته الثلث ، عتق ، ورق الآخر .

وإن كان هو الناقص عن الثلث ، عتق ، وعتق من الآخر تمام الثلث . وإن كان لأحدهما بينة ، ولا بينة للآخر ، أو بينة فاسقة ، عتق صاحب البينة العادلة ، ورق الآخر . وإن كان لكل واحد منهما بينة عادلة ، إلا أن إحداهما تشهد أنه أعتق سالما في مرضه ، والأخرى تشهد بأنه وصى بعتق غانم ، وكان سالم ثلث المال ، عتق وحده ووقف عتق غانم على إجازة الورثة ; لأن التبرع يقدم على الوصية . وإن كان سالم أقل من الثلث ، عتق من غانم تمام الثلث .

وإن شهدت إحداهما أنه وصى بعتق سالم ، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانم ، فهما سواء ، ويقرع بينهما ، سواء اتفق تاريخهما أو اختلف ; لأن الوصية يستوي فيها المتقدم والمتأخر . وقال أبو بكر وابن أبي موسى : يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة ; لأن القرعة إنما تجب إذا كان أحدهما عبدا والآخر حرا ، ولا كذلك هاهنا ، فيجب أن تقسم الوصية بينهما ، ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر وصيته ، كما لو وصى لاثنين بمال . والأول قياس المذهب ; لأن الإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت ، وقد ثبت في الإعتاق في مرض الموت أنه يقرع بينهما لحديث عمران بن حصين ، فكذلك بعد الموت ، ولأن المعنى المقتضي لتكميل العتق في أحدهما في الحياة موجود بعد الممات ، فيثبت . فأما إن صرح ، فقال : إذا مت ، فنصف كل واحد من سالم وغانم حر . أو كان في لفظه ما يقتضيه ، أو دلت عليه قرينة ، ثبت ما اقتضاه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث