الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6599 6600 6601 ص: وقد خالف قوم القولين جميعا؛ فقالوا: بل نقول: إن هذه الآثار كلها لا ينسخ شيء منها شيئا؛ وذلك أن عبد الله بن الحارث أخبر في حديثه أنه أول من سمع النبي -عليه السلام- ينهى عن ذلك قال: "وأنا أول من حدث الناس بذلك" فقد يجوز أن يكون ذلك النهي لم يقع على البول والغائط في جميع الأماكن ووقع على خاص منها وهي الصحاري، ثم جاء أبو أيوب فكانت حكايته عن النبي -عليه السلام- هي النهي [ ص: 207 ] خاصة، فذلك يحتمل ما احتمله حديث ابن جزء على ما فسرناه، وكراهة الاستقبال في الكراييس المذكور فيه، فهو عن رأيه، ولم يحكه عن النبي -عليه السلام-.

                                                فقد يجوز أن يكون سمع من النبي -عليه السلام- ما سمع، فعلم أن النبي -عليه السلام- أراد به الصحاري، ثم حكم هو للبيوت برأيه بمثل ذلك.

                                                ويجوز أن يكون النبي -عليه السلام- أراد البيوت والصحاري إلا أنه ليس في ذلك دليل عن النبي -عليه السلام- يبين لنا أنه أراد أحد المعنيين دون الآخر، وحديث عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان وحديث معقل بن أبي معقل وحديث أبي هريرة - رضي الله عنهم - فما منها عن النبي -عليه السلام- فمثل ذلك أيضا.

                                                ثم عدنا إلى ما رويناه في الإباحة، فهذا ابن عمر يقول: "رأيت النبي -عليه السلام- على ظهر بيت مستقبل القبلة" فاحتمل أن يكون ذلك على الإباحة لذلك في البيوت خاصة، فكان أراد به فيما روي عنه في النهي على الصحاري خاصة، فأولى بنا أن نجعل هذا الحديث زائدا على الأحاديث الأول غير مخالف لها، فيكون هذا على البيوت، وتلك الأحاديث الأول على الصحاري، وهذا قول مالك بن أنس .

                                                حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أنه سمع مالكا يقول ذلك.

                                                ثم رجعنا إلى حديث أبي قتادة ، ففيه أنه رأى النبي -عليه السلام- يبول مستقبل القبلة، فقد يكون رآه حيث رآه ابن عمر ، فيكون -يعني حديثه، وحديث ابن عمر- سواء، أو يكون رآه في صحراء، فيخالف حديث ابن عمر، ، وينسخ الأحاديث الأول فهو عندنا غير ناسخ لها، حتى نعلم يقينا أنه قد نسخها.

                                                وأما حديث جابر ، ففيه النهي عن رسول الله -عليه السلام- عن استقبال القبلة واستدبارها لغائط أو بول، ولم يبين مكانا، فيحتمل أن يكون ذلك أيضا على ما فسرنا وبينا من حديث أبي أيوب ، - رضي الله عنه - فلا حجة فيها أيضا توجب مضادة حديث ابن عمر ، وأبي قتادة. .

                                                [ ص: 208 ] قال جابر في حديثه: "ثم رأيت رسول الله -عليه السلام- يبول مستقبل القبلة" فقد يحتمل أن يكون ذلك البول كان في المكان الذي لم يكن نهي رسول الله -عليه السلام- الأول وقع عليه.

                                                فلم نعلم شيئا من هذه الآثار نسخ شيئا منها شيء، ثم عدنا إلى حديث عراك ففيه أنه ذكر لرسول الله -عليه السلام- أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، . فقال رسول الله -عليه السلام-: "حولوا مقعدتي مستقبل القبلة". فقد يجوز أن يكون أنكر قولهم لأنهم كرهوا ذلك في جميع الأماكن فأمر بتحويل مقعدته نحو القبلة ليرد عليهم، وليعلم أنه لم يقع نهيه عن ذلك، وإنما وقع النهي عن استقبالها في مكان دون مكان.

                                                ويحتمل أن يكون أراد بذلك نسخ النهي الأول في الأماكن كلها؛ لأن النهي كان وقع في الآثار الأول على ذلك، فليس فيه دليل أيضا على نسخ ولا على غيره.

                                                فلما كان حكم هذه الآثار كذلك كان أولى بنا أن نصححها كلها، فنجعل ما فيه النهي منها على الصحاري وما [فيه] الإباحة على البيوت حتى لا يتضاد منها شيء.

                                                وقد حدثنا ابن أبي عمران، ، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، ، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل ( (ح).

                                                وحدثنا يونس، ، قال: أنا ابن وهب، ، عن حاتم، ، عن عيسى بن أبي عيسى الخياط ( ، (ح).

                                                وحدثنا إسماعيل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى ، ، ثنا عيسى، ، عن الشعبي: أنه سأله عن اختلاف هذين الحديثين، فقال الشعبي: : صدق والله، أما حديث أبي هريرة ، فعلى الصحاري "إن لله ملائكة يصلون، فلا تستقبلوهم، وإن حشوشكم هذه لا قبلة فيها".

                                                فعلى هذا المعنى تحمل هذه الآثار حتى لا يتضاد منها شيء. [ ص: 209 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 209 ] ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرا الشعبي وعبد الله بن المبارك والشافعي ومالكا وإسحاق بن راهويه وأحمد -في رواية- فإنهم خالفوا القولين المذكورين، أعني قول أهل المقالة الأولى وقول أهل المقالة الثانية، وقالوا بكراهة استقبال القبلة في الصحراء [بالبول] والغائط وبعدم كراهيته في البيوت والبنيان، وروي ذلك أيضا عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وإليه مال الطحاوي على ما يفهم من كلامه وترتيب أقوال أصحاب هذه المقالات.

                                                قوله: "فقالوا: بل نقول. . . ." إلى آخره الباب كله ظاهر، وملخصه أن هذه الأحاديث التي رويت في هذا الباب في الفصلين المذكورين كلها محكمة، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

                                                وأما حكمها أن نجعل ما فيه النهي منها محمولا على الصحاري، وما فيه الإباحة منها على البيوت والبنيان، وبهذا تتوافق الآثار ويرتفع الخلاف، والدليل على صحة ما ذكرنا قول عامر الشعبي: "أما حديث أبي هريرة فعلى الصحاري. . . ." إلى آخره وإلى هذا ذهب مالك بن أنس في التوفيق بين الأحاديث المذكورة.

                                                وقال أبو عمر: الصحيح عندنا الذي ذهب إليه مالك وأصحابه والشافعي؛ لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها دون رد شيء ثابت منها.

                                                وقال أبو عمر أيضا: أما ما روي عن ابن عمر فنحمله عندنا على أن ذلك في البيوت، وقد بان ذلك برواية مروان بن الأصفر وغيره عن ابن عمر .

                                                وأما حديث جابر فليس بصحيح فيعرج عليه؛ لأن أبان بن صالح الذي يرويه ضعيف، وقد رواه ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أبي قتادة ، عن النبي -عليه السلام- على خلاف رواية أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن جابر، وهو [ ص: 210 ] حديث لا يحتج بمثله، وأما حديث عائشة فقد رفعه قوم، ولو صح لم يكن فيه خلاف لما ذهبنا إليه، لأن المقعدة لا تكون إلا في البيوت، وليس بذلك بأس عندنا في كنف البيوت، إنما وقع نهيه -والله أعلم- على الصحاري والفيافي والفضاء، وعليه خرج حديثه -عليه السلام- لأنه كان متبرز القوم.

                                                ألا ترى إلى ما في حديث الإفك في قول عائشة - رضي الله عنها -: وكانت بيوتنا لا مراحيض لها، وإنما أمرنا أمر العرب الأول" تعني البعد في البراز.

                                                وقال أيضا: ورد أحمد بن حنبل حديث جابر وحديث عائشة الواردين عن النبي -عليه السلام- بالرخصة في هذا الباب، وضعف حديث جابر، وتكلم في حديث عائشة بأنه انفرد به خالد بن أبي الصلت ، عن عراك بن مالك ، عن عائشة - رضي الله عنها -.

                                                قوله: "يبين لنا" جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوله "دليل" في قوله: "إلا أنه ليس في ذلك دليل".

                                                قوله: "وحديث عبد الرحمن بن يزيد" كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "وحديث معقل" عطف عليه وكذلك قوله: "وحديث أبي هريرة"، وقوله: "فما منها" في محل الرفع مبتدأ فإن، وخبره قوله: "فمثل ذلك" والجملة خبر المبتدأ الأول، واسم الإشارة هاهنا أغنى عن العائد.

                                                قوله: "فإذا ابن عمر" كلمة "إذا" "هاهنا" للمفاجأة، كما في قولك: خرجت فإذا السبع.

                                                قوله: "وقد حدثنا ابن أبي عمران ... ." إلى آخره ذكره شاهدا لصحة قوله: "فنجعل ما فيه النهي منها على الصحاري. . . ." إلى آخره.

                                                ثم إنه أخرج هذا عن عامر الشعبي من ثلاث طرق:

                                                الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي ، عن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نزيل بغداد وشيخ أبي داود ، عن حاتم بن إسماعيل المدني ، عن عيسى بن أبي عيسى الحناط -بالحاء المهملة والنون- ويقال له: الخباط -بالخاء [ ص: 211 ] المعجمة والباء الموحدة- ويقال له: الخياط -بالخاء المعجمة والياء آخر الحروف- قال ابن سعد: كان يقول: أنا حناط وخباط وخياط كلا قد عالجت. فيه مقال فعن أحمد: ليس بشيء ضعيف. قال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وهو يروي عن عامر الشعبي .

                                                الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن عيسى بن أبي عيسى ، عن الشعبي .

                                                الثالث: عن إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي نزيل مصر الملقب بترنجة ، عن عبد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي شيخ البخاري ، عن عيسى بن أبي عيسى ، عن الشعبي .

                                                وأخرج أبو عمر نحوه.

                                                قوله: "سأله عن اختلاف هذين الحديثين" يعني حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر - رضي الله عنهم - فقال الشعبي لما سئل عنهما: صدق أبو هريرة وصدق ابن عمر، أما قول أبي هريرة فذلك في الصحاري، وأما قول ابن عمر فذلك في الكنف التي في البيوت ليس فيها قبلة استقبل حيث شئت.

                                                قوله: "وإن حشوشكم" جمع حش -بالحاء المهملة والشين المعجمة المشددة- وهو في الأصل البستان، ولكن أريد بالحشوش الكنف ومواضع قضاء الحاجة، وذلك لأنهم كانوا كثيرا ما يتغوطون في البساتين. والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية