الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        [ ص: 172 ] الضرب الثالث : ما هو عين من وجه ، وصفة من وجه ، كصبغ الثوب ، ولت السويق وشبههما . فإذا اشترى ثوبا وصبغه ، فإن نقصت القيمة ، أو لم تزد ، فحكمه ما سبق في الضرب الثاني . وإن زادت ، فقد تزيد بقدر قيمة الصبغ أو أقل ، أو أكثر .

                                                                                                                                                                        الحال الأول : مثل أن يكون الثوب يساوي أربعة ، والصبغ درهمين ، وصارت قيمته مصبوغا ستة ، فللبائع أن يفسخ البيع في الثوب ، ويكون المفلس شريكا له في الصبغ ، فيباع ويكون الثمن بينهما أثلاثا . وهل يقول : كل الثوب للبائع ، وكل الصبغ للمفلس ، كما لو غرس ؟ أو يقول : يشتركان فيهما جميعا بالأثلاث لتعذر التمييز كخلط الزيت ؟ فيه وجهان .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : مثل أن تصير قيمته مصبوغا خمسة ، فالنقص محال على الصبغ ؛ لأنه هالك في الثوب ، والثوب بحاله ، فيباع ، وللبائع أربعة أخماس الثوب ، وللمفلس خمس .

                                                                                                                                                                        الحال الثالث : مثل أن تصير قيمته مصبوغا ثمانية ، فالزيادة حصلت بصنعة الصبغ . فإن قلنا : الصنعة عين ، فالزيادة مع الصبغ للمفلس ، فيجعل الثمن بينهما نصفين . وإن قلنا : أثر ، فوجهان . أحدهما : يفوز البائع بالزيادة ، فله ثلاثة أرباع الثمن ، وللمفلس ربع . وأصحهما وبه قال الأكثرون : يكون للبائع ثلثا الثمن ، وللمفلس ثلثه ؛ لأن الصنعة اتصلت بهما ، فوزعت عليهما . ولو صارت قيمته مصبوغا ستة عشر مثلا ، أو رغب فيه رجل فاشتراه ، ففي كيفية القسمة ، هذه الأوجه الثلاثة . ثم ما يستحقه المفلس من الثمن للبائع ، دفعه ليخلص له الثوب مصبوغا . ومنع ذلك صاحب " التتمة " كما سبق . هذا كله إذا صبغه بصبغ نفسه . أما إذا اشترى ثوبا وصبغا من رجل ، فصبغه به ، ثم فلس ، فللبائع الرجوع فيهما ، إلا أن تكون قيمته بعد الصبغ كقيمة الثوب قبل الصبغ أو دونها ، فيكون فاقد للصبغ . فإن زادت القيمة ، بأن كانت قيمة الثوب أربعة ، والصبغ درهمين [ ص: 173 ] فصارت مصبوغا ثمانية ، وقلنا : الصنعة أثر ، أخذه ، ولا شيء للمفلس . وإن قلنا : عين ، فالمفلس شريك بالربع . ولو اشترى الثوب من واحد بأربعة وهي قيمته ، والصبغ من آخر بدرهمين وهما قيمته ، وصبغه ، وأراد البائعان الرجوع ، فإن كان مصبوغا لا يزيد على أربعة ، فصاحب الصبغ فاقد ماله ، وصاحب الثوب واجد ماله ، بكماله إن لم ينقص عن أربعة ، وناقصا إن نقص . فإن زاد على أربعة ، فصاحب الصبغ أيضا واجد ماله ، بكماله إن بلغت الزيادة درهمين ، وناقصا إن لم تبلغهما . وإن كانت قيمته مصبوغا ثمانية ، فإن قلنا : الصنعة أثر ، فالشركة بين البائعين ، كهي بين البائع والمفلس إذا صبغه بصبغ نفسه . وإن قلنا : عين ، فنصف الثمن لبائع الثوب ، وربعه لبائع الصبغ ، والربع للمفلس . ولو اشترى صبغا وصبغ به ثوبا له ، فللبائع الرجوع إن زادت قيمته مصبوغا على ما كانت قبل الصبغ ، وإلا ، فهو فاقد . وإذا رجع ، فالقول في الشركة بينهما كما سبق .

                                                                                                                                                                        قلت : وإذا شارك ونقصت حصته عن ثمن الصبغ ، فوجهان . أصحهما وهو قول أكثر الأصحاب على ما حكاه صاحب " البيان " : أنه إن شاء قنع به ولا شيء له غيره ، وإن شاء ضارب بالجميع . والثاني : له أخذه والمضاربة بالباقي . وبهذا قطع في " المهذب " و " الشامل " والعدة وغيرها . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        حكم صبغ الثوب ، كالبناء والغراس . فلو قال المفلس والغرماء : نقلعه ونغرم نقص الثوب ، قال ابن كج : لهم ذلك .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ما ذكرناه من القطع بالشركة بالصبغ ، إذا لم يحصل ، هو على إطلاقه ، سواء [ ص: 174 ] أمكن تمييز الصبغ من الثوب ، أو صار مستهلكا . وفي وجه : إذا صار مستهلكا ، صار كالقصارة في أنه عين أم أثر .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية