الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                القسم السادس من الكتاب : في معاملة العبيد

                                                                                                                والعبد - عندنا - يملك ملكا غير مستقر دون ملك الحر ، وإذا ملكه سيده مالا ملك ، وقال ( ش ) و ( ح ) : لا يملك مطلقا ، وإذا ملكه جارية جاز له وطؤها عندنا خلافا لهما . احتجا بقوله - تعالى - : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) . فسلبه القدرة على العموم ، فلا يملك وإلا لكانت له قدرة ، وبقوله - تعالى - : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ) . فجعل حكم عبيدنا في الملك معنا كحكم عبيده معه - سبحانه وتعالى - وليس لأحد مع الله - تعالى - ملك .

                                                                                                                [ ص: 309 ] وكذلك عبيدنا معنا ، ولأنه مملوك فلا يملك كالبهيمة ، ولأن الحربي يملك ، فإذا رق زال ملكه ، والذمي يملك فإذا ذهب لدار الحرب ثم سبي فرق زال ملكه ، فإذا كان طريان الرق يزيل الملك ويمنع استدامته ، فأولى إذا قارنه ، ولأن القول بالملك يقتضي التناقض ، كأن يأذن السيد للعبد في التجارة وشراء الرقيق ، والإذن لهم فيشتري ويأذن فيشتري العبد الأسفل الأعلا من السيد ، فيكون كل واحد رقيقا لصاحبه ، فيكون القاهر مقهورا والأعلا أسفل ، ولأن الحر لا يملك مثله ، فالعبد لا يملك مثله تسوية بين البابين .

                                                                                                                والجواب عن الأول : القول بالموجب لوجهين : أحدهما : أن ( عبدا ) ليس صيغة عموم ، فيقتضي أن عبدا من العبيد ليس له ملك ونحن نقول به . بل بعض الأحرار كذلك ، وثانيهما : أنه وصفه بعدم القدرة ، فلو كان العبد لا يقدر لزم التكرار ، وعن الثاني : القول بالموجب فإن الله - تعالى - نفى المساواة ، وهو صحيح فإن ملك العبد لا يساوي ملك الحر ، أو نقول : وجه التنظير يقتضي ملك العبد إذا ملك ، فإنا إذا ملكنا الله تعالى ملكنا ، وعن الثالث : الفرق فإن العبد تعلقت به أكثر أحكام الحرية من التكاليف وغيرها فتعلق به الملك بخلاف البهيمة ، وعن الرابع : أن العبد إنما يملك إذا ملكه السيد ، وفي الاسترقاق المذكور لم يملكه السيد شيئا ثم نقول : لا يمنع ابتداء النكاح ، ويمنع دوامه إذا طرأ عليه ، فإن سبي الزوج يمنع استدامة النكاح ، وهو رق ، والرق لا يمنع ابتداء النكاح ، وكذلك السبي يسقط الدين عن المسبي ، مع أن الرق لا يمنع ابتداء الدين ، وعن الخامس : أن بيع السيد العبد الأعلا للأسفل [ ص: 310 ] يقتضي بقاء ماله للحر ومن ماله العبد الأسفل فيصير الأسفل أعلا والأعلا أسفل ، وهذا لا يقتضي بطلان الملك ، كمن استأجر من استأجره ، فإن كل واحد منهما مطالب لصاحبه بحقه .

                                                                                                                وعن السادس : الفرق بين البابين : أن أحدهما فيه الشبهان بالأموال من جهة أنه يباع ، وبالمالك من جهة أنه مكلف فأمكن أن يكون يملك مثله مثله لشبه الأموال ، بخلاف الحر فثم ينتقض ما ذكرتم بالمنافع ، فإن كل واحد من الحرين يجوز أن يملك منافع صاحبه بالإجارة ، ويتأكد مذهبنا بوجوه : أحدها : قوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) . فوصفهم بالفقر يدل على قبولهم للغنى ، فإنه لا يقال للجماد : أعمى ولا أصم ; لعدم قبوله للبصر والسماع ، ثم إنهم إما أن يكونوا فقراء أو لا يكونوا فقد اتصفوا بالغنى ، وهو فرع الملك فثبت أنهم يملكون ، وإن كانوا فقراء فقد قال الله - تعالى - : إنه يغنيهم ، وخبره - تعالى - صدق فلا بد أن يتصفوا بالغنى وهو فرع الملك ، فصار الملك لازما للنقيضين فيكون واقعا قطعا ; لأنه لا بد من وقوع أحد النقيضين بالضرورة ، وثانيها : قوله - عليه السلام - " من أعتق عبدا وله مال فماله له إلا أن يستثنيه السيد ) ، وثالثها : قوله : ( من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ) وجه الدليل من وجوه : أحدها : أن اللام للملك عند إضافة المال لقابل له ، وهو قابل له لأنه مكلف لدوران قبول الملك مع التكليف وجودا وعدما ، أما [ ص: 311 ] وجودا ففي الحر ، وأما عدما ففي البهيمة . وثانيها أنه اشترط في ملك البائع له أن يبيع العبد ، ولو كان له قبل البيع لسقط التعليق . وثالثها : لو كان العبد لا يملك لم يختص لتخصيص البائع بالملك في حالة مخصوصة ، بل يكون له مطلقا . الرابع : على أصل المسألة أن نقول : آدمي قابل للتكليف فيملك قياسا على الحر ، وخامسها : أن الدين سبب لإتلاف أموال الناس فتعلق بالمأذون ، والدين لا يثبت إلا حيث يتصور الملك ، وإلا فلا فائدة في الدين . وسادسها : أنه يملك الأبضاع وهي أعظم من الأموال ; فوجب أن يملكها قياسا على الحر . وسابعها : أنه يصح مخالعته على الأعواض فوجب أن يملكها في الخلع وغيره ، قياسا على الحر ، إذا تقرر أن العبد يملك فهو محجور عليه لتعلق حق السيد بماليته ، وماله يزيد فيها ، فليس له التصرف فيه إلا بإذن السيد . فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا أذن له في التجارة تجر فيما شاء ; لأن الإذن مطلق ولزم ذمته ما داين الناس به من جميع أنواع التجارات ; لأن الناس يغترون بتصرفه ، والإذن في الصنعة كالقصارة ليس إذنا في التجارة ولا في المداينة ، قال صاحب النكت : إذا أذن له في نوع مخصوص واشتهر ذلك وأعلنه ، لم يلزم ( ماله الدين في غير ذلك النوع ، كما إذا حجر عليه واشتهر ذلك لم يلزم ) ما داين بعد الحجر ، ولا يعذر من جهل الحجر ، وعن ابن القاسم : إذا أذن له بالتجارة في مال ، وأمره أن لا يعامل إلا بالنقد ، فداين تعلق الدين بمال ، وإن لم يكن غيره المشتري ثم أذن له أن لا يتجر إلا في البز فتجر في غيره : قال ابن القاسم : فإن قصر ما في يديه عن الدين : استحسن أن يكون في الذمة ، [ ص: 312 ] قال : وفيه ضعف ، قال سحنون : إذا شرط لا يجوز على سيده تعديه ، قال : يحتمل أن يكون هذا الخلاف إذا لم يشتهر ذلك ، وإذا أفسد المأذون في الصنعة لا يكون ذلك في أجرته ; لأنها خراج للسيد ، وكذلك لا يلزمه السيد في آلة القصارة إن كان السيد أعطاه ذلك يستعين به ; فإنها عارية ، قال الشيخ أبو الحسن : معنى قوله في الكتاب : الدين في مال المأذون ; أي : إذا وهب له مال ليوفي ذلك منه ، وأما إن وهب له لغير ذلك فهو بمنزلة ما اكتسبه من غير التجارة ، وقال أبو محمد : سواء وهب بشرط أم لا يتعلق به الدين ; لأنه ليس من مال السيد ولا من كسب عبده . فرع

                                                                                                                في الكتاب : يجوز تأخير الغريم بالدين والحطيطة لاستئلاف القلوب لاندراجه في الإذن للتجارة ، ويمتنع غير ذلك لأنه ضياع مال السيد ، وليس للعبد الكثير المال الإنفاق على ولده إلا بإذن سيده ، ويجوز إطعامه للاستئلاف وتمتنع عاريته ، قال ابن يونس : وقيل : تجوز العارية للمكان القريب ، وإعطاء السائل الكسرة لأنه مأذون فيه عرفا ، قال اللخمي : فإن وهب أو أخذ الثمن أكثر من العادة رد الجميع ، وإذا رد السيد الهبة أو الصدقة وهي معينة بطل العقد قبضت أم لا ، وتكون له إذا عتق كانت في يديه أو بيد المتصدق عليه ، أو قيمتها وإن استهلكت ، وغير المعينة كقوله : لك عندي كذا ، أو في مالي أو ذمتي ، للسيد ردها عند ابن القاسم لأنها تنقصه ، وخالفه أشهب لعدم التعيين ; لأنه لا يؤاخذ بها إلا بعد العتق فلا ضرر ، وللسيد بعد القبض الرد اتفاقا لتعينها بالقبض [ ص: 313 ] فرع

                                                                                                                قال اللخمي : إذا تعدى على وديعة عنده ، ولا مال له ، هل تكون في ذمته أو رقبته ؟ وإذا كانت في ذمته فهل للسيد إسقاطها ؟ قال ابن القاسم : ذلك له في المحجور عليه دون المأذون ، وقال أشهب : إذا كان يستودع مثله فلا شيء عليه حتى يملك نفسه بالعتق ، وقال يحيى بن عمر : هي من ضمانه . وقال مالك : هي جناية . قال : وأما الوديعة إن كانت عينا وهو مؤتمن فهي في ذمته ; لأن له تسلفها على أحد الأقوال ، فإن كان معسرا أو هي عرض ، حسن الاختلاف ، وكونها في الذمة أحسن ; لأن المالك وضع يد العبد مختارا بخلاف المدعي إرسال سيده له ، ولو قال : أرسلني فلان لم تكن في رقبته لإمكان صدقه .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية