الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، حدثنا محمد بن مسلم بن جماز ، عن عبد الرحمن بن محمد قال : أوصى عمر بن عبد العزيز عند الموت ، فدعا بشعر من شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأظفار من أظفاره فقال : اجعلوه في كفني .

                                                                                      وعن رجاء بن حيوة قال لي عمر بن عبد العزيز : كن فيمن يغسلني ، وتدخل قبري ، فإذا وضعتموني في لحدي ، فحل العقد ، ثم انظر إلى وجهي ، فإني قد دفنت ثلاثة من الخلفاء ، كلهم إذا أنا وضعته في لحده حللت العقد ، ثم نظرت إليه فإذا وجهه مسود ، إلى غير القبلة ، قال رجاء : فدخلت القبر ، وحللت العقد ، فإذا وجهه كالقراطيس في القبلة . إسنادها مظلم ، وهي في طبقات ابن سعد .

                                                                                      وروى ابن سعد واسحاق بن سيار ، عن عباد بن عمر الواشحي المؤذن ، حدثنا مخلد بن يزيد -وكان فاضلا خيرا- عن يوسف بن ماهك قال : بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء ، فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار . . [ ص: 144 ]

                                                                                      قلت : مثل هذه الآية لو تمت لنقلها أهل ذاك الجمع ، ولما انفرد بنقلها مجهول ، مع أن قلبي منشرح للشهادة لعمر أنه من أهل الجنة .

                                                                                      قال ابن المبارك أخبرني ابن لهيعة قال : وجدوا في بعض الكتب : تقتله خشية الله -يعني عمر بن عبد العزيز .

                                                                                      محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره قبل أن يموت بعشرة دنانير .

                                                                                      ولكثير عزة يرثيه :

                                                                                      عمت صنائعه فعم هلاكه فالناس فيه كلهم مأجور     والناس مأتمهم عليه واحد
                                                                                      في كل دار رنة وزفير     يثني عليك لسان من لم توله
                                                                                      خيرا لأنك بالثناء جدير     ردت صنائعه عليه حياته
                                                                                      فكأنه من نشرها منشور

                                                                                      روى خليفة بن خياط وغيره أن عمر بن عبد العزيز مات يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان من أرض حمص .

                                                                                      قال : وإنما هو من أرض المعرة ، ولكن المعرة كانت من أعمال حمص هي وحماة . وعاش تسعا وثلاثين سنة ونصفا .

                                                                                      وقال جعفر الصادق ، عن سفيان بن عاصم : إنه مات لخمس مضين من رجب يوم الخميس ، ودفن بدير سمعان ، وصلى عليه مسلمة بن عبد الملك .

                                                                                      قال : وكان أسمر دقيق الوجه ، حسنه ، نحيف الجسم ، حسن اللحية ، بجبهته شجة . [ ص: 145 ]

                                                                                      وقال أبو عمر الضرير : مات بدير سمعان من أرض حمص يوم الجمعة لعشر بقين من رجب ، وله تسع وثلاثون سنة ونصف .

                                                                                      وقال طائفة : في رجب ، لم يذكروا اليوم ، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأياما .

                                                                                      قال سليمان بن عمير الرقي ، حدثنا أبو أمية الخصي غلام عمر بن عبد العزيز قال : بعثني عمر بدينارين إلى أهل الدير فقال : إن بعتموني موضع قبري ، وإلا تحولت عنكم .

                                                                                      قال هشام بن الغاز : نزلنا منزلا مرجعنا من دابق ، فلما ارتحلنا مضى مكحول ، ولم نعلم أين يذهب ، فسرنا كثيرا حتى جاء ، فقلنا : أين ذهبت ؟ .

                                                                                      قال أتيت قبر عمر بن عبد العزيز ، وهو على خمسة أميال من المنزل ، فدعوت له ، ثم قال : لو حلفت ما استثنيت ما كان في زمانه أحد أخوف لله ، ولا أزهد في الدنيا منه .

                                                                                      قال الحكم بن عمر الرعيني : رأيت عمر بن عبد العزيز يصلي في نعلين وسراويل ، وكان لا يحفي شاربه ، ورأيته يبدأ بالخطبة قبل العيدين ، ثم ينزل فيصلي ، وشهدت عمر بن عبد العزيز كتب إلى أصحاب الطرز لا تجعلوا سدى الخز إلا من قطن ، ولا تجعلوا فيه إبريسم ، وصليت معه فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة يقرؤها وصليت خلفه الفجر ، فقنت [ ص: 146 ] قبل الركوع ، ورأيته يأتي العيدين ماشيا ، ويرجع ماشيا ، ورأيت خاتمه من فضة ، وفصه من فضة مربع . فهذه الفوائد من نسخة خالد بن مرداس ، سمعها من الحكم .

                                                                                      أخبرنا أحمد بن هبة الله ، عن المؤيد الطوسي ، أخبرنا محمد بن المفضل ، أخبرنا عبد الغافر الفارسي ، أخبرنا محمد بن عمرويه ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني عمرو الناقد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح قال : كنا بعرفة ، فمر عمر بن عبد العزيز ، وهو على الموسم ، فقام الناس ينظرون إليه ، فقلت لأبي : يا أبة ! إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز ، قال : وما ذاك ؟ قلت : لما له من الحب في قلوب الناس . قال : سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر مثل حديث جرير عن سهيل ، وهو : إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : إني أحب فلانا فأحبه ، قال : فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض .

                                                                                      سعيد بن منصور : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه أن حيان بن [ ص: 147 ] شريح عامل مصر كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أن أهل الذمة قد أشرعوا في الإسلام ، وكسروا الجزية ، فكتب إليه : إن الله بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم- داعيا ولم يبعثه جابيا ، فإذا أتاك كتابي فإن كان أهل الذمة أشرعوا في الإسلام ، وكسروا الجزية ، فاطو كتابك وأقبل .

                                                                                      ابن وهب : حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز ذكر بعض ما مضى من العدل والجور ، فقال هشام بن عبد الملك : إنا -والله- لا نعيب أبانا ، ولا نضع شرفنا ، فقال عمر : أي عيب أعيب ممن عابه القرآن .

                                                                                      قال ابن عيينة : قال رجل لعمر بن عبد العزيز : جزاك الله عن الإسلام خيرا ، قال : بل جزى الله الإسلام عني خيرا .

                                                                                      ابن سعد : أخبرنا علي بن محمد ، عن لوط بن يحيى قال : كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلا رضي الله عنه فلما ولي هو أمسك عن ذلك ، فقال كثير عزة الخزاعي :

                                                                                      وليت فلم تشتم عليا ولم تخف     بريا ، ولم تتبع مقالة مجرم
                                                                                      تكلمت بالحق المبين وإنما     تبين آيات الهدى بالتكلم
                                                                                      فصدقت معروف الذي قلت بالذي     فعلت فأضحى راضيا كل مسلم

                                                                                      لجرير :

                                                                                      لو كنت أملك ، والأقدار غالبة     تأتي رواحا وتبيانا وتبتكر
                                                                                      رددت عن عمر الخيرات مصرعه     بدير سمعان لكن يغلب القدر

                                                                                      ولعمر بن عبد العزيز من الولد ابنه عبد الملك الذي توفي قبله ، وعبد [ ص: 148 ] الله الذي ولي العراق ، وعبد العزيز الذي ولي الحرمين ، وعاصم ، وحفص ، وإسماعيل ، وعبيد الله ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويزيد ، وإصبغ ، والوليد ، وزبان ، وآدم ، وإبراهيم ، فأم إبراهيم كلبية ، وسائرهم لعلات . ومات معه في سنة إحدى ومائة عمه الأمير :

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية