الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر حوادث العرب أيام قباذ

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر حوادث العرب أيام قباذ

[ ص: 379 ] لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر بن امرئ القيس ، كما ذكرناه ، وبعث إليه قباذ : إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد ، وأحب لقاءك ، وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ويداري أعداءه . فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات أحد من العرب ، فطمع الحارث الكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا على السواد ، فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث ، فاستدعاه فحضر ، فقال له : إن لصوصا من العرب صنعت كذا وكذا . فقال : ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود . وطلب منه شيئا من السواد ، فأعطاه ستة طساسيج .

وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع ، وهو باليمن ، يطمعه في بلاد العجم ، فسار تبع حتى نزل الحيرة ، وأرسل ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ ، فحاربه فهزمه شمر حتى لحق بالري ، ثم أدركه بها فقتله ، ثم وجه تبع شمرا إلى خراسان ، ووجه ابنه حسان إلى السغد ، وقال : أيكما سبق إلى الصين فهو عليها ، وكان كل واحد منهما في جيش عظيم ، يقال : كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا .

وأرسل ابن أخيه يعفر إلى الروم ، فنزل على القسطنطينية ، فأعطوه الطاعة والإتاوة ، ومضى إلى رومية فحاصرها فأصاب من معه طاعون ، فوثب الروم عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد .

وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها ، فلم يظفر بها ، وسمع أن ملكها أحمق وأن له ابنة ، وهي التي تقضي الأمور ، فأرسل إليها هدية عظيمة ، وقال لها : إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهبا وفضة وأنا أدفعها إليك [ ص: 380 ] وأمضي إلى الصين ، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك .

فلما بلغتها الرسالة قالت : قد أجبته فليبعث المال ، فأرسل أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان . ولسمرقند أربعة أبواب ، ولكل باب ألفا رجل ، وجعل العلامة بينهما أن يضرب بالجرس ، فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ، وسار إلى الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين ، فأقاما بها حتى ماتا ، وكان مقامهما فيما قيل إحدى وعشرين سنة .

وقيل : عادا في طريقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر ، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم ، ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازيا بعده .

وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة ، وقيل تهود .

قال ابن إسحاق : كان تبع الآخر ، وهو تبان أسعد أبو كرب ، حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة ، وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها ، وخلف عندهم ابنا له فقتل غيلة ، فقدمها عازما على تخريبها واستئصال أهلها ، فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ورئيسهم عمرو بن الطلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا لقتاله ، وكانوا يقاتلونه نهارا ويقرونه ليلا . فبينما هو على ذلك إذ جاءه حبران من بني قريظة عالمان ، فقالا له : قد سمعنا ما تريد أن تفعل ، وإنك إن أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه ، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة . فقال : ولم ذلك ؟ فقالا : إنها مهاجر نبي من قريش تكون داره . فانتهى عما كان يريد وأعجبه فاتبعهما على دينهما ، واسمهما كعب وأسد ، وكان تبع وقومه أصحاب أوثان .

وسار من المدينة إلى مكة ، وهي طريقه ، فكسا الكعبة الوصائل والملاء ، وكان أول [ ص: 381 ] من كساها ، وجعل لها بابا ومفتاحا ، وخرج متوجها إلى اليمن ، فدعا قومه إلى اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار ، وكانت لهم نار تحكم بينهم فيما يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم . فقال لقومه : أنصفتم . فخرج قومه بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا عند مخرج النار ، فخرجت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران تعرق جباههما لم تضرهما ، فأصفقت حمير على دينه .

وكان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي ، وكان كاهنا ، فقال له تبع : هل تجد لقومي ملكا يوازي ملكي ؟ قال : لا إلا لملك غسان . قال : فهل تجد ملكا يزيد عليه ؟ قال : أجده لبار مبرور ، أيد بالقهور ، ووصف بالزبور ، وفضلت أمته في السفور ، يفرج الظلم بالنور ، أحمد النبي ، طوبى لأمته حين يجيء ، أحد بني لؤي ، ثم أحد بني قصي ! فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي - صلى الله عليه وسلم .

ثم ملك بعد تبع هذا ، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب ، ربيعة بن نصر اللخمي ، فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد .

فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا إلا أحضره وقال لهم : رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بتأويلها . فقالوا : اقصصها علينا . فقال : إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها ، فلما قال ذلك قال له رجل منهم : إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك عما سألت . واسم سطيح ربيع بن ربيعة ، وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن عدي ، وشق بن مصعب بن يشكر بن أنمار .

[ ص: 382 ] فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق ، فلما قدم عليه سطيح سأله عن رؤياه وتأويلها . فقال : رأيت حمحمة ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بأرض بهمة ، فأكلت منها كل ذات جمجمة ؟ قال له الملك : ما أخطأت منها شيئا ، فما عندك من تأويلها ؟ . فقال : أحلف ما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش . قال الملك : وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع ، فمتى يكون أفي زماني أم بعده ؟ . قال : بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من السنين . قال : هل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع ؟ . قال : بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين ، ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين . قال الملك : ومن الذي يلي ذلك ؟ . قال : يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال : فيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع ؟ . قال : بل ينقطع ، يقطعه نبي زكي ، يأتيه الوحي من العلي ، وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، ويسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون . قال : أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ . قال : نعم والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق ، إن ما أنبأتك به لحق .

ثم قدم عليه شق فقال : يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فأخبرني عنها وعن تأويلها [ ص: 383 ] وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان . قال : نعم ، رأيت جمجمة ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة .

فلما سمع الملك ذلك قال : ما أخطأت شيئا ، فما تأويلها ؟ . قال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، لينزلن أرضكم السودان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران . قال الملك : وأبيك يا شق ! إن هذا لغائظ ، فمتى هو كائن ؟ . قال : بعدك بزمان ، ثم يستنقظكم منهم عظيم ذو شان ، ويذيقكم أشد الهوان ، وهو غلام ليس بدني ولا مزن ، يخرج من بيت ذي يزن . قال : فهل يدوم سلطانه أم ينقطع ؟ . قال : بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل ، بين أهل الدين والفضل ، يكون الملك فيه إلى يوم الفصل . قال : وما يوم الفصل ؟ . قال : يوم تجزى فيه الولاة ، ويدعى من السماء بدعوات ، ويسمع منها الأحياء والأموات ، ويجتمع فيه الناس للميقات .

فلما فرغ من مسألتهما جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم ، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك .

فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار ، كان مما هيج أمر الحبشة ، وتحول الملك عن حمير أن حسان سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم ، كما كانت التبابعة تفعل . فلما كان بالعراق قبلت قبائل العرب المسير معه ، فكلموا أخاه عمرا في قتل حسان وتمليكه ، فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين الحميري ، فإنه نهاه عن ذلك ، فلم يقبل منه ، فعمد ذو رعين إلى صفيحة فكتب فيها :

[ ص: 384 ]

ألا من يشتري سهرا بنوم ؟ سعيد من يبيت قرير عين .

    فإما حمير غدرت وخانت
فمعذرة الإله لذي رعين

.

ثم ختمها وأتى بها عمرا فقال : ضع هذه عندك ، ففعل . فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو :


يا عمرو لا تعجل علي منيتي     فالملك تأخذه بغير حشود

.

فأبى إلا قتله ، فقتله بموضع رحبة مالك ، فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل .

ثم عاد إلى اليمن فمنع النوم منه ، فسأل الأطباء وغيرهم عما به وشكا إليهم السهر ، فقال له قائل منهم : ما قتل أحد أخاه أو ذا رحم بغيا إلا منع عنه النوم . فلما سمع ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه ، حتى خلص إلى ذي رعين ، فلما أراد قتله قال : إن لي عندك براءة . قال : وما هي ؟ . قال : أخرج الكتاب الذي استودعتك . فأخرجه فإذا فيه البيتان ، فكف عن قتله ، ولم يلبث عمرو أن هلك ، فتفرقت حمير عند ذلك .

قلت : هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري ، وملك تبع البلاد من بعد قتله من النقل القبيح والغلط الفاحش ، وفساده أشهر من أن يذكر ، فلولا أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء لكان الإعراض عنه أولى . ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذ قتل بالري ، ولا خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذ مات حتف أنفه في زمان معلوم ، وكان ملكه مدة معلومة ، كما ذكرناه قبل ، ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في هذه الرواية .

ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده ، وهذا أشهر من : قفا نبك ، ولو كان [ ص: 385 ] ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير ، كيف كان ملك ابنه بعده وتمكن في الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج ! .

ثم ذكر أيضا أن تبعا وجه ابنه حسان إلى الصين ، وشمرا إلى سمرقند وابن أخيه إلى الروم ، وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها ، فيا ليت شعري ! ما هو اليمن وحضرموت حتى يكون بهما ما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها ، وجيش مع تبع ، وجيش مع حسان يسير بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته ، وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ، ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها ، وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ويملك القسطنطينية ! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها ، واليمن من أقل بلادهم عددا وجنودا ، فلم يقدروا على ذلك ، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبع ؟ ! هذا مما تأباه العقول ، وتمجه الأسماع .

ثم إنه قال : إن ملك تبع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ ، يعني أيام ابنه أنوشروان ، وكان ملكه سبعا وأربعين سنة .

ولا خلاف أيضا أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك حمير منه وكان آخر ملوكهم ذا نواس . وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس ، وانقطع نظامهم حتى طمعت الحبشة فيه وملكته ، وكان ملكهم اليمن أيام قباذ .

وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ ، ويكون تبع هو الذي ملك اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن ؟ هذا مردود محال وقوعه .

وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة ، وقيل أكثر من ذلك ، وكان انقراض ملكهم في آخر ملك أنوشروان ، والخبر في ذلك مشهور ، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر .

[ ص: 386 ] ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون ، فكيف يستقيم أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفا وأربعين سنة ؟ وهذا أعجب إن مدة بعضها سبعون سنة تنقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة ، ولو فكر أبو جعفر في ذلك لاستحيا من نقله .

وأعجب من هذا أنه قال : ثم ملك بعد تبع هذا ربيعة بن نصر اللخمي ، وهذا ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة ، وكان ملك عمرو الحيرة بعد خاله جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك بخمس وتسعين سنة ، وبين أردشير وقباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل ؟ ولو لم يترجم أبو جعفر على هذه الحادثة بقوله : ذكر الحوادث أيام قباذ ، لكان يحتمل تأويلا فيه ، ثم ما قنع بذلك حتى قال ، بعد أن قص مسير تبع : وقتل قباذ وملك البلاد .

وأما ابن إسحاق فإنه قال : إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة هو تبع الأخير ، ويعني بقوله : " تبع الأخير " أنه آخر من سار إلى المشرق وملك البلاد .

فإن ابن إسحاق وغيره يقولون : إن الذي ملك البلاد المشرقية لما توفي ملك بعده عدة تبابعة ، ثم اختل أمرهم زمانا طويلا ، حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت إلى اليمن . فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ ، فلا شك أن تبعا الأخير الذي أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية ، ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة من ملك بني العباس ، ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضا مما بعدها ، حتى يستقيم هذا القول .

ثم إنه قال : إن عمرو بن طلة الأنصاري خرج إلى تبع ، وعمرو هذا قيل إنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - شيخا كبيرا ومات عند مرجعه من غزوة بدر .

[ ص: 387 ] ومن الدليل على بطلانه أيضا أن المسلمين لما قصدوا بلاد الفرس ما زالت الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم : كنتم أقل الأمم وأذلها وأحقرها ، والعرب تقر لهم بذلك ، فلو كان ملك تبع قريب العهد لقالت العرب : إننا بالأمس قتلنا ملككم ، وملكنا بلادكم ، واستبحنا حريمكم وأموالكم ، فسكوت العرب عند ذلك وإقرارهم للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه ، على أن الفرس لا تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه ، فإنهم يزعمون أن ملكهم لم ينقطع من عهد جيومرث ، الذي هو آدم في قول بعضهم ، إلى أن جاء الإسلام ، إلا أيام ملوك الطوائف ، وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك الزمان لم ينقطع انقطاعا كليا ، على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي سار وملك البلاد اختلافا كثيرا ، فقيل : شمر بن غش ، وقيل : تبع أسعد ، وأنه بعث إلى سمرقند شمرا ذا الجناح ، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها . وهذا القدر كاف في كشف الخطأ فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث