الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ويقع ) الطلاق ( بصريحه ) ، وهو ما لا يحتمل ظاهره غير الطلاق ومن ثم وقع إجماعا واختلف المتأخرون في تالق بالتاء بمعنى طالق والأوجه أنه إن كان من قوم يبدلون الطاء تاء واطردت لغتهم بذلك كان على صراحته [ ص: 5 ] وإلا فهو كناية ؛ لأن ذلك الإبدال له أصل في اللغة ، ويؤيده إفتاء بعضهم فيمن حلف لا يأكل البيظ بالظاء المشالة بأنه يحنث بنحو بيض الدجاج إن كان من قوم ينطقون بالمشالة في هذا أو نحوه وليس من هذا قول قوم طلقة بفتح اللام لا أفعل كذا بل هو لغو كما هو ظاهر كطالق لا أفعل كذا بل أولى بخلاف علي طلقة لا أفعل كذا فإن الظاهر أنه كناية ( بلا نية ) لإيقاع الطلاق من العارف بمدلول لفظه فلا ينافيه ما يأتي أنه يشترط قصد لفظ الطلاق لمعناه فلا يكفي قصد حروفه فقط كأن لقنه أعجمي لا يعرف مدلوله فقصد لفظه فقط أو مع مدلوله عند أهله .

وسيعلم من كلامه أن الإكراه يجعل الصريح كناية ( وبكناية ) ، وهي ما يحتمل الطلاق وغيره ، وإن كان في بعضها أظهر كما قاله الرافعي ( مع النية ) لإيقاعه ومع قصد حروفه أيضا فإن لم ينو لم يقع إجماعا سواء الظاهرة المقترن بها قرينة كأنت بائن بينونة محرمة لا تحلين لي أبدا وغيرها كلست بزوجتي إلا إن وقع في جواب دعوى فإقرار به ، وإنما أفاد ضم صدقة لاتباع لتصدقت صراحته في الوقف ؛ لأن صرائحه لا تنحصر بخلاف الطلاق ، وأيضا فبينونة إلى آخره يأتي في غير الطلاق كالفسخ بخلاف لاتباع لا يأتي في غير الوقف وقد يؤخذ من ذلك ما بحثه ابن الرفعة أن السكران لا ينفذ طلاقه بها لتوقفه على النية ، وهي مستحيلة منه فمحل نفوذ تصرفه السابق إنما هو بالصرائح فقط ، ولك أن تقول شرط الصريح أيضا [ ص: 6 ] قصد لفظه مطلقا أو لمعناه كما تقرر ، والسكران يستحيل عليه قصد ذلك أيضا فكما أوقعوه به ولم ينظروا لذلك فكذا هي وكونها يشترط فيها قصدان وفيه قصد واحد لا يؤثر ؛ لأن الملاحظ أن التغليظ عليه اقتضى الوقوع عليه بالصريح من غير قصد ، وهذا بعينه موجود فيها فاتجه إطلاقهم لا ما بحثه ، وإن أقروه إلا أن يجاب بأن الصريح موقع ظاهرا بمجرد لفظه من غير استفصال ولا تحقق قصد بخلاف الكناية لا بد فيها من تحقق القصد فافترقا ، وشرط وقوعه بصريح أو كناية رفع صوته بحيث يسمع نفسه لو كان صحيح السمع ولا عارض ولا يقع بغير لفظ عند أكثر العلماء ، ورأى مالك رضي الله عنه وقوع النفساني .

( تنبيه ) أطلقوا في لست بزوجتي الذي ليست في جواب دعوى أنه كناية فشمل إن فعلت كذا فلست بزوجتي وعليه فإن نوى معنى فأنت طالق الذي هو إنشاء الطلاق عند وجود المعلق عليه وقع ، وإلا فلا ، ويوجه بأن نفي الزوجية في هذا التركيب قد يراد به النفي المترتب على الإنشاء الذي نواه . وقد يراد به نفي بعض آثار الزوجية كترك إنفاقها أو وطئها فاحتاج لنية الإيقاع ، ومثله إن فعلت كذا ما أنت لي بزوجة أو ما تكونين لي زوجة لاحتماله لذينك ، والفرق أن هذا اشتهر في إرادة الطلاق بحيث لا تفهم العامة منه إلا ذلك بخلاف الأول مجرد دعوى على أن قائله غفل عما يأتي أن الاشتهار ليس له دخل إلا على الضعيف الآتي ثم رأيت البلقيني أفتى في إن شكاني أخوك لست لي بزوجة بأنه إن قصد أنها طالق عند حصول الشكوى طلقت أو أنه يطلقها فإن نوى الفورية ففاتت طلقت ، وإلا لم تطلق إلا باليأس انتهى ملخصا . وهو صريح فيما ذكرته أنه كناية وبه كالذي قبله تبين وهم إفتاء بعضهم في : فما تصلحين لي زوجة بإطلاق الحنث والصواب قول شيخه الفتى إن نوى الطلاق طلقت ، وإلا فلا كلست بزوجتي نعم نقل عنهما [ ص: 7 ] في ما عاد زوج بنتي يكون زوجا لها أنهما أطلقا الحنث كما أطلقه الثاني في ما عاد تكونين لي بزوجة والذي يتجه أنه كناية ؛ لأن لفظ عاد وقعت زائدة ومر في هذه بدونها أنها كناية ، وأما زعم أن زيادة عاد توجب الصراحة فلا يخفى بعده بل شذوذه وعجيب قول الفتى ما عاد يكون زوجا لها معناه إن بقي لها زوجا . انتهى فتأمله .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : كان على صراحته ) قد يؤيد ذلك أنه حينئذ كترجمة الطلاق بل أولى بل قضية كونه كالترجمة أنه صريح في حق من ليس من القوم المذكورين أيضا إذا عرف هذه [ ص: 5 ] اللغة كما أن الترجمة صريح لمن أحسن العربية كما يأتي بشموله للعربي ( قوله : إلا إن وقع في جواب دعوى ) هل شرطها كونها عند الحاكم ( قوله : صدقة ) هو بالنصب ( قوله : ؛ لأن صرائحه إلخ ) يتأمل ( قوله : ولك أن تقول إلخ ) ، وأيضا فهو مؤاخذ بإقراره فإذا أقر أنه نوى آخذناه ، وأوقعنا عليه الطلاق ( قوله : [ ص: 6 ] قصد لفظه إلخ ) قد يقال المراد بهذا الشرط عدم الصارف لا حقيقة القصد فلا دليل فيه لما ذكره ولا وجه للإيقاع عليه بالكناية ما لم يقر بأنه نوى ، وهو مراد ابن الرفعة ( قوله : تنبيه : أطلقوا إلخ ) أقول ينبغي التأمل فيما ذكر في أول هذا التنبيه وما نقله عن البلقيني مع ما يأتي عند إفتاء ابن الصلاح في شرح قول المصنف [ ص: 7 ] والإعتاق كناية طلاق وعكسه في إن غبت عنها سنة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث