الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون 6 واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور .

[ ص: 182 ] قال الرازي في وجه اتصال آية الوضوء بما قبلها : " اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية ، فقوله : أوفوا بالعقود طلب من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل : إلهنا ، العهد نوعان : عهد الربوبية منك ، وعهد العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والكرم . ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح ، فاستقصى ، سبحانه ، في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح ، وعند تمام البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ، ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان ، الصلاة ، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة ، لا جرم بدأ الله - تعالى - بذكر شرائط الوضوء " ( لعل الأصل فرائض الوضوء ) .

أقول : لو جعل هذا الوجه في الاتصال لهذه الآية وما بعدها معا - وقد جمعناهما - لكان أظهر ، فإنه في الثانية يذكرنا بعهده وميثاقه . والذي أراه أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثين اللذين هما سبب الطهارتين هما أثر الطعام والنكاح ، فلولا الطعام لما كان الغائط الموجب للوضوء ، ولولا النكاح لما كانت ملامسة النساء الموجبة للغسل ، وأما المناسبة بين آية الميثاق وما قبلها فهي أن الله - تعالى - بعد أن بين لنا طائفة من الأحكام المتعلقة بالعبادات والعادات ، ذكرنا بعهده وميثاقه علينا ، وما التزمناه من السمع والطاعة لله ولرسوله بقبول دينه الحق ; لنقوم بها مخلصين .

يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة قال المفسرون : إن المراد بالقيام هنا إرادته ، أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، على حد قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( 16 : 98 ) أي إذا أردت قراءته ، على أن الغالب أن مريد الصلاة يقوم إليها من قعود أو نوم ، وقد يطلق لفظ القيام إلى الشيء على الانصراف إليه عن غيره ، ومن فسر القيام بإرادته حاول أن يدخل في عموم منطوقه صلاة من يصلي قاعدا أو نائما لعذر .

وظاهر العبارة أن المراد بالقيام إلى الصلاة عمومه في جميع الأحوال ، وأن هذه الطهارة تجب لكل صلاة ، وعليه داود الظاهري ، ولكن جمهور المسلمين على أن الطهارة لا تجب على من قام إلى الصلاة إلا إذا كان محدثا ، فهم يقيدون القيام الذي خوطب أهله بالطهارة بالتلبس بالحدث ، فالمعنى عندهم : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم . . . إلخ . والعمدة في مثل هذا التقييد السنة العملية في الصدر الأول . روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد ، فقال له عمر : يا رسول [ ص: 183 ] الله ، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله ، فقال : " عمدا فعلته يا عمر " .

وروي بألفاظ كثيرة متفقة في المعنى ، وروى أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري ، سمعت أنس بن مالك يقول : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة ، قال : قلت : فأنتم كيف كنتم تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث " .

وروى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وروى أبو داود ، وصححه الدارقطني ، قال الحافظ في بلوغ المرام ، وأصله في مسلم عن أنس بن مالك ، قال : " كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ، ثم يصلون ولا يتوضئون " ورواه الشافعي في الأم أيضا ، والترمذي بلفظ : " لقد رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا ، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون " .

وروى أحمد ، بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ، ومع كل وضوء بسواك وفي البخاري نحوه تعليقا ، وروى نحوه النسائي وابن خزيمة ، وكذا ابن حبان في صحيحه ، من حديث عائشة . فهذه الأخبار تدل على أن المسلمين لم يكونوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضئون لكل صلاة ، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ لكل صلاة غالبا ، وصلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد أمام الناس لبيان الجواز ، وقيل : كان ذلك واجبا فنسخ يومئذ ، ولو صح هذا القول لنقل أن الصحابة كلهم كانوا يتوضئون لكل صلاة ، والمنقول خلافه ، فعلم أن الوضوء لكل صلاة عزيمة ، وهو الأفضل ، وإنما تجب على من أحدث ، وآخر الآية يدل على ذلك ، فإنه ذكر الحدثين ووجوب التيمم على من لم يجد الماء بعدهما ، فعلم منه أن من وجده وجب عليه أن يتطهر به عقبهما ، ولو كانت الطهارة واجبة لكل صلاة لما كان لهذا معنى ، وقد نقل النووي عن القاضي عياض أن أهل الفتوى أجمعوا على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث ، وإنما يستحب تجديده لكل صلاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث