الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون

رمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض : إذا احترق جوفه من شدة العطش ، والرمضاء ممدود : شدة الحر ، ومنه الحديث الثابت في الصحيح صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال أي أحرقت الرمضاء أجوافها .

قال الجوهري : وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء ، يقال : إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام الحر فسمي بذلك وقيل : إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب ، أي يحرقها بالأعمال الصالحة .

وقال الماوردي : إن اسمه في الجاهلية ناتق ، وأنشد المفضل :


وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغا وولت على الأدبار فرسان خثعما

وإنما سموه بذلك لأنه كان ينتقهم لشدته عليهم ، و " شهر " مرتفع في قراءة الجماعة على أنه مبتدأ خبره الذي أنزل فيه القرآن أو على خبر لمبتدأ محذوف ، أي المفروض عليكم صوم شهر رمضان ، ويجوز أن يكون بدلا من الصيام المذكور في قوله تعالى : كتب عليكم الصيام .

وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب بنصب الشهر ، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو وهو منتصب بتقدير الزموا أو صوموا .

قال الكسائي والفراء : إنه منصوب بتقدير فعل كتب عليكم الصيام وأن تصوموا ، وأنكر ذلك النحاس وقال : إنه منصوب على الإغراء .

وقال الأخفش : إنه نصب على الظرف ، ومنع الصرف للألف والنون الزائدتين .

قوله : أنزل فيه القرآن قيل : أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، ثم كان جبريل ينزل به نجما نجما .

وقيل : أنزل فيه أوله ، وقيل : أنزل في شأنه القرآن ، وهذه الآية أعم من قوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر وقوله : إنا أنزلناه في ليلة مباركة يعني ليلة القدر .

والقرآن اسم لكلام الله تعالى ، وهو بمعنى المقروء كالمشروب سمي شرابا ، والمكتوب سمي كتابا ، وقيل : هو مصدر قرأ يقرأ ، ومنه قول الشاعر :


ضحوا بأشمط عنوان السجود به     يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

أي قراءة ، ومنه قوله تعالى : وقرآن الفجر أي قراءة الفجر .

وقوله : هدى للناس منتصب على الحال ، أي هاديا لهم .

وقوله : وبينات من الهدى من عطف الخاص على العام إظهارا لشرف المعطوف بإفراده بالذكر ، لأن القرآن يشمل محكمه ومتشابهه ، والبينات تختص بالمحكم منه .

والفرقان : ما فرق بين الحق والباطل ، أي فصل .

قوله : فمن شهد منكم الشهر أي حضر ولم يكن في سفر بل كان مقيما ، و " الشهر " منتصب على أنه ظرف ، ولا يصح أن يكون مفعولا به .

قال جماعة من السلف والخلف : إن من أدركه شهر رمضان مقيما غير مسافر لزمه صيامه ، سافر بعد ذلك أو أقام استدلالا بهذه الآية .

وقال الجمهور : إنه إذا سافر أفطر ، لأن معنى الآية : إن حضر الشهر من أوله إلى آخره لا إذا حضر بعضه وسافر فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره ، وهذا هو الحق ، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة .

وقد كان يخرج صلى الله عليه وسلم في رمضان فيفطر .

وقوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر قد تقدم تفسيره .

وقوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه ، ومراد من مراداته في جميع أمور الدين ، ومثله قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرشد إلى التيسير وينهى عن التعسير كقوله صلى الله عليه وسلم : يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وهو في الصحيح .

واليسر السهل الذي لا عسر فيه .

وقوله : ولتكملوا العدة الظاهر أنه معطوف على قوله : يريد الله بكم اليسر أي يريد بكم اليسر ، ويريد إكمالكم للعدة وتكبيركم ، وقيل : إنه متعلق بمحذوف تقديره : رخص لكم هذه الرخصة لتكملوا العدة ، وشرع لكم الصوم لمن شهد الشهر لتكملوا العدة .

وقد ذهب إلى الأول البصريون قالوا : والتقدير يريد لأن تكملوا العدة ، ومثله قول كثير بن صخر :


أريد لأنسى ذكرها فكأنما     تمثل لي ليلا بكل سبيل

وذهب الكوفيون إلى الثاني ، وقيل : الواو مقحمة ، وقيل : إن هذه اللام لام الأمر ، والواو لعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها .

وقال في الكشاف : إن قوله : لتكملوا العدة [ ص: 119 ] علة للأمر بمراعاة العدة ولتكبروا علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر ولعلكم تشكرون علة الترخيص والتيسير ، والمراد بالتكبير هنا : هو قول القائل الله أكبر .

قال الجمهور : ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان .

وقد وقع الخلاف في وقته ، فروي عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر وقيل : إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة وقيل : إلى خروج الإمام ، وقيل : هو التكبير يوم الفطر .

قال مالك : هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام ، وبه قال الشافعي .

وقال أبو حنيفة : يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر .

وقوله : ولعلكم تشكرون قد تقدم تفسيره .

وقد أخرج أبو حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي في سننه عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا لا تقولوا رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان .

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وثبت عنه أنه قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وثبت عنه أنه قال : شهرا عيد لا ينقصان : رمضان وذو الحجة وقال : إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وهذا كله في الصحيح .

وثبت عنه في أحاديث كثيرة غير هذه أنه كان يقول ( رمضان ) بدون ذكر الشهر .

وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما سمي رمضان لأن رمضان يرمض الذنوب .

وأخرجا أيضا عن عائشة مرفوعا نحوه .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر نحوه .

وقد ورد في فضل رمضان أحاديث كثيرة .

وأخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر مثله ، لكنه قال : وأنزل الزبور لاثني عشر وزاد وأنزل التوراة لست خلون من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خلت من رمضان .

وأخرج محمد بن نصر عن عائشة نحو قول جابر ، إلا أنها لم تذكر نزول القرآن .

وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مقسم قال : سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال : إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر وقوله : إنا أنزلناه في ليلة مباركة فقال ابن عباس : إنه أنزل في ليلة القدر وفي رمضان وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام .

وأخرج محمد بن نصر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه ، والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : نزل القرآن جملة لأربعة وعشرين من رمضان ، فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا ، فجعل جبريل ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيلا .

وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : " ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في رمضان أنزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور " .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : هدى للناس قال : يهتدون به وبينات من الهدى قال : فيه الحلال والحرام والحدود .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال : هو إهلاله بالدار .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال : من أدرك رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم لأن الله يقول : فمن شهد منكم الشهر فليصمه .

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر نحوه .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله : يريد الله بكم اليسر قال : اليسر الإفطار في السفر ، والعسر الصوم في السفر .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله : ولتكملوا العدة قال : عدة شهر رمضان .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك : أنه قال : عدة ما أفطر المريض في السفر .

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : حق على الصائمين إذا نظروا إلى شهر شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم ، لأن الله يقول : ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يكبر : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه كان يكبر : الله أكبر كبيرا ، الله أكبر كبيرا الله أكبر ولله الحمد وأجل ، الله أكبر على ما هدانا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث