الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا

عطف قوله تعالى: "وآتينا" على ما في قوله: أسرى بعبده من تقدير الخبر، كأنه قال: أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا، و"الكتاب": التوراة، والضمير في "جعلناه" يحتمل أن يعود على "الكتاب"، ويحتمل أن يعود على " موسى " عليه السلام. وقوله تعالى: "ألا تتخذوا" يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير: كراهية، وأن يكون في موضع خفض بتقدير: بألا تتخذوا، ويجوز أن تكون "أن" مفسرة بمعنى: أي، كما قال: أن امشوا واصبروا ، فهي في هذا مع أمر، وهي في آياتنا هذه مع نهي، والمعنى في هذه التقديرات: جعلنا ذلك لئلا تتخذوا يا ذرية، ويحتمل أن تكون "ذرية" مفعولا، ويحتمل أن تكون "أن" زائدة، ويضمر في الكلام قول تقديره: قلنا لهم: لا تتخذوا، [ ص: 439 ] وأما أن يضمر القول ولا تجعل "أن" زائدة فلا يتجه; لأن ما بعد القول إما أن يكون جملة تحكى، وإما أن يكون ترجمة عن كلام لا هو بعينه، فيعمل القول في الترجمة كما تقول -لمن قال لا إله إلا الله-: قلت حقا، وقوله: "ألا تتخذوا" على المخاطبة، قاله أبو علي . وقرأ جمهور الناس: "ألا تتخذوا" على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده: "ألا يتخذوا" بالياء على لفظ الغائب، وهي قراءة ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وعيسى، وأبي رجاء . و "الوكيل" فعيل من التوكل، أي: متوكلا عليه في الأمور، فهو يؤلهه بهذا الوجه، قال مجاهد : "وكيلا": شريكا.

وقرأ جمهور الناس: "ذرية" بضم الذال، وقرأ عامر بفتحها، وقرأ زيد بن ثابت، وأبان بن عثمان، ومجاهد أيضا بكسرها، وكل هذا بشد الراء والياء، ورويت عن زيد بن ثابت بفتح الذال وتسهيل الراء وشد الياء، على وزن فعيلة، و"ذرية" وزنها فعولة، أصلها "ذرورة"، أبدلت الراء الثانية ياء وأدغمت ثم كسرت الراء لتناسب الياء، وكل هؤلاء قرءوا: "ذرية" بالنصب، وذلك متجه، إما على المفعول بـ "يتخذوا"، ويكون المعنى: أن لا يتخذ بشر إلها من دون الله، وإما على النداء، أي: يا ذرية، فهي مخاطبة للعالم، قال قوم: وهذا لا يتجه إلا على قراءة من قرأ: "ألا تتخذوا" بالتاء من فوق، ولا يجوز على قراءة من قرأ بالياء من تحت; لأن الفعل لغائب والنداء لمخاطب، والخروج من الغيبة إلى الخطاب إنما يستسهل مع دلالة الكلام على المراد، وفي النداء لا دلالة إلا على غاية التكلف، وإما على النصب بإضمار أعني، وإما على البدل من قوله: "وكيلا"، وهذا أيضا فيه تكلف. وقرأت فرقة: "ذرية" بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في "يتخذوا"، وهذا أيضا يتوجه على القراءة بالياء، ولا يجوز على القراءة بالتاء; لأنه لا يبدل من ضمير مخاطب، لو قلت: "ضربتك زيدا" على البدل لم يجز. وقوله: ذرية من حملنا مع نوح إنما عبر بهذه العبارة عن الناس الذين عناهم في الآية بحسب الخلاف المذكور، ولأن في هذه العبارة تعديد النعمة على الناس في الإنجاء المؤدي إلى وجودهم، ويقبح الكفر والعصيان مع هذه النعمة، والذين حملوا مع نوح وأنسلوا هم بنوه لصلبه; لأنه آدم الأصغر، وكل من على الأرض اليوم من نسله، هذا قول الجمهور، وذكره الطبري عن قتادة ومجاهد ، وإن كان معه غيره فلم ينسل. قال النقاش : اسم نوح عبد الجبار، وقال ابن الكلبي: اسمه فرج، ووصفه بالشكر لأنه كان يحمد الله في كل حال، وعلى كل نعمة، على [ ص: 440 ] المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك، صلى الله عليه وسلم. قاله سلمان الفارسي، وسعيد بن مسعود، وابن أبي مريم، وقتادة .

وقوله تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل الآية، قال الطبري : معنى "قضينا" فرغنا، وحكي عن غيره أنه قال: "قضينا" هنا بمعنى: أخبرنا، وحكي عن آخرين أنهم قالوا: "قضينا" معناه: في أم الكتاب.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وإنما يلبس في هذا المكان تعدية "قضينا" بـ "إلى"، وتلخيص الكلام عندي أن هذا الأمر هو مما قضاه الله تعالى في أم الكتاب على بني إسرائيل وألزمهم إياه، ثم أخبرهم به في التوراة على لسان موسى ، فلما أراد هنا الإعلام بالأمرين جميعا في إيجاز جعل "قضينا" دالة على النفوذ في أم الكتاب، وقرن بها "إلى" دالة على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما مرة بأن قال: وقضينا إلى بني إسرائيل معناه: أعلمناهم، وقال مرة: معناه: قضينا عليهم و"الكتاب" هنا التوراة; لأن القسم في قوله تبارك وتعالى: "لتفسدن" غير متوجه مع أن يجعل "الكتاب" هو اللوح المحفوظ. وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو العالية الرياحي: "في الكتب" على الجمع، قال أبو حاتم : قراءة الناس على الإفراد. وقرأ الجمهور: "لتفسدن" بضم التاء وكسر السين، وقرأ عيسى الثقفي "لتفسدن" بفتح التاء وضم السين والدال، وقرأ ابن عباس ، ونصر بن عاصم ، وجابر بن زيد: "لتفسدن" بضم التاء وفتح السين وضم الدال. وقوله تعالى: "ولتعلن" أي: لتتكبرن عن طاعة الآمرين بطاعة الله، وتطلبون في الأرض العلو والفساد، وتظلمون من قدرتم على ظلمهم، ونحو هذا.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

ومقتضى هذه الآيات أن الله تعالى أعلم بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وطغيان وكفر لنعم الله تعالى عندهم في الرسل والكتب وغير ذلك، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم، ثم يرحمهم بعد ذلك ويجعل لهم الكرة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور، فيقع منهم المعاصي وكفر النعم، والظلم والقتل، والكفر بالله من بعضهم، فيبعث الله عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم [ ص: 441 ] وتجليهم جلاء مبرحا، وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله، وقيل: كان بين المرتين: آخر الأولى وأول الثانية مائتا سنة وعشر سنين ملكا مؤبدا بأنبياء، وقيل: سبعون سنة.

التالي السابق


الخدمات العلمية