الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو دفع إلى رجل أرضا وبذرا على أن يزرعها هذه السنة فما خرج منها فهو بينهما نصفان ، ولم يشترط عليه سقيا ولا حفظا : فإن كانت أرضا يسقيها السماء لا يحتاج فيها إلى سقي ولا حفظ مثل أرض الجزيرة ونحوها - فالمزارعة جائزة على شرطهما ; لأن ما يحصل به الخارج قد شرط على المزارع ، وما سواه من العمل غير محتاج إليه فلا يكون مستحقا على واحد .

وإن كان لا يستغنى عن الحفظ والسقي فالمزارعة فاسدة ; لأنه لا يستحق على العامل إلا العمل المشروط ، فما وراء ذلك مما يحصل به الخارج يكون على رب الأرض فكأنه شرط ذلك عليه وهو مفسد للعقد لانعدام التخلية . وإن كان الزرع لا يحتاج إلى السقي ولكنه لو سقي كان أجود له - فهو جائز على شرطهما ، لأن بمطلق العقد يستحق صفة السلامة لا نهاية الجودة ، بخلاف ما إذا شرط ذلك على رب الأرض في هذه الصورة ; لأن صفة الجودة تستحق بالشرط . وإن كان إذا ترك السقي هلك بعضه وخرج بعضه حيا عامرا عطشان فالمزارعة فاسدة ; لأن بمطلق العقد يستحق صفة السلامة وذلك لا يكون إلا بما لم يشترط على العامل فيكون ذلك مستحقا على رب الأرض .

ولو اشترط جميع العمل على العامل إلا الحفظ فإنه اشترطه على رب الأرض - فالمزارعة فاسدة لأن بهذا الشرط تنعدم التخلية . وكذلك لو اشترط السقي على رب الأرض . ولو اشترط على رب الأرض أن يبذره كان هذا فاسدا ; لأن العقد ينعقد بينهما في الحال ، فالتخلية تنعدم إلى أن يفرغ رب الأرض من البذر ، فإن كان اشترط على رب الأرض السقي والسقي لو ترك لم يضره ولكنه أجود للزرع إن سقي - فالمزارعة فاسدة ; لأن صفة الجودة تستحق بالشرط ، وإن كان السقي لا يزيده خيرا فالمزارعة جائرة والشرط باطل ; لأنه غير مفيد ، وإن كان المطر ربما قل فزاد الزرع وربما كثر فلم يزده السقي خيرا - لم تجز المزارعة ; لأن هذا الشرط معتبر مقيد من وجه .

والأصل في [ ص: 153 ] الشرائط في العقد أنه يجب اعتبارها إلا عند التيقن بخلوها عن الفائدة ، ويبقى هنا موجب اعتبار الشرط ، وباعتباره يفسد العقد لانعدام التخلية . وإذا بذر الرجل فلم ينبت شيء حتى دفعها إلى رجل على أن يسقيه ويحفظه فما خرج منه فهو بينهما نصفان - فهو جائز لوجود التخلية بين رب الأرض والمزارع عقيب العقد .

ولو دفعها إليه قبل أن يبذرها على أن يبذرها رب الأرض ويسقيها المزارع ويحفظها - فهذا فاسد ; لأن العقد انعقد بينهما في الحال ، والتخلية تنعدم إلى أن يبذرها رب الأرض . وإن كان رب الأرض اشترط له أن يبذر على أن يحفظ الزرع بعد ذلك ويسقيه - لم يجز أيضا لما بينا أنهما أضافا العقد إلى وقت فراغ رب الأرض من البذر وذلك غير معلوم ، فقد يعجل رب الأرض البذر وقد يؤخر ذلك ، وجهالة مدة المزارعة تفسد العقد إلا أن يشترط أن يزرع في هذا الشهر على أن يحفظه العامل ويسقيه من غرة الشهر الداخل - فيجوز حينئذ ; لأنهما أضافا العقد إلى وقت معلوم فإنما ينعقد العقد بعد مجيء ذلك الوقت والتخلية توجد عقيب انعقاد العقد .

ولو أن البذر من المزارع على أن الذي يلي طرح البذر في الأرض رب الأرض واشترطا لذلك وقتا يكون السقي والحفظ بعده أو لم يشترطا - فالمزارعة فاسدة ; لأن رب الأرض مؤاجر لأرضه ، والعقد يلزم من جانبه بنفسه فيلزمه تسليم الأرض ، فإذا شرط عليه طرح البذر في الأرض فهذا شرط يعدم التخلية بخلاف الأول ، فهناك إنما يلزم العقد من جهة صاحب البذر بعد إلقاء البذر في الأرض فيكون إضافة المزارعة إلى وقت معلوم ، ولكن يدخل على هذا الحرف المعاملة فإنها تلزم بنفسها ، وقد بينا أن الجواب فيها وفي المزارعة إذا كان البذر من قبل رب الأرض - سواء .

فالوجه أن يقول : اشتراط طرح البذر على رب الأرض بمنزلة اشتراط البقر عليه إذا كان البذر من قبله - غير مفسد للعقد ، وإذا كان البذر من العامل مفسدا للعقد فكذلك إذا اشترطا طرح البذر في الأرض عليه ، وكذلك لو اشترط الحفظ والسقي على رب الأرض فهذا شرط يعدم التخلية ولو لم يشترط الحفظ والسقي على واحد منهما ودفعها إليه على أن يزرعها بالنصف - جاز وكان السقي والحفظ على المزارع ; لأن رب الأرض إنما أجر أرضه وليس عليه من العمل قليل ولا كثير ، وإنما العمل الذي يحصل به الخارج على المزارع ، فالمسكوت عنه بمنزلة الاشتراط على المزارع ، وذلك غير مفسد للعقد .

التالي السابق


الخدمات العلمية