الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل )

في بيان استقبال الكعبة ، أو بدلها وما يتبع ذلك ( استقبال ) عين ( القبلة ) [ ص: 484 ] أي الكعبة وليس منها الحجر ، والشاذروان ؛ لأن ثبوتهما منها ظني وهو لا يكتفى به في القبلة وفي الخادم ليس المراد بالعين الجدار ، بل أمر اصطلاحي أي وهو سمت البيت وهواؤه إلى السماء ، والأرض السابعة

والمعتبر مسامتتها عرفا لا حقيقة وكونها بالصدر في القيام ، والقعود وبمعظم البدن في الركوع ، والسجود ولا عبرة بالوجه إلا فيما يأتي في مبحث القيام في الصلاة ولا بنحو اليد كما يعلم مما يأتي ( شرط لصلاة القادر ) على ذلك لكن يقينا بمعاينة ، أو مس ، أو بارتسام أمارة في ذهنه تفيد ما يفيده أحد هذين في حق من لا حائل بينه وبينها ، أو ظنا فيمن بينه وبينها حائل محترم ، أو عجز عن إزالته كما يأتي لقوله تعالى { فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي عين الكعبة بدليل { أنه صلى الله عليه وسلم [ ص: 485 ] ركع ركعتين في وجه الكعبة وقال هذه القبلة } فالحصر فيها دافع لحمل الآية على الجهة وخبر { ما بين المشرق ، والمغرب قبلة } محمول على أهل المدينة ومن سامتهم

وقول شريح من أصحابنا من اجتهد فأخطأ إلى الحرم جاز لحديث { البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد لأهل الحرم ، والحرم لأهل مشارق الأرض ومغاربها } مردود بأن ما ذكره حكما وحديثا لا يعرف وصحة صلاة الصف المستطيل من المشرق إلى المغرب محمول على انحراف فيه ، أو على أن المخطئ فيه غير معين ؛ لأن صغير الجرم كلما زاد بعده اتسعت مسامتته كالنار الموقدة من بعد وغرض الرماة فاندفع ما قيل يلزم أن من صلى بإمام بينه وبينه قدر سمت الكعبة أن لا تصح صلاته ، والمراد بالصدر جميع عرض البدن كما بينته في شرح الإرشاد فلو استقبل طرفها فخرج شيء من العرض بخلاف غيره كطرف اليد خلافا للقونوي عن محاذاته لم تصح بخلاف استقبال الركن ؛ لأنه مستقبل بجميع العرض لمجموع الجهتين ومن ثم لو كان إماما امتنع التقدم عليه في كل منهما أما العاجز عن الاستقبال لنحو مرض ، أو ربط قال الشارح ، أو خوف من نزوله عن دابته على نحو نفسه ، أو ماله ، أو انقطاعا عن رفقته إن استوحش به فيصلي على حسب حاله ، أو يعيد مع صحة صلاته لندرة عذره [ ص: 486 ] ولو تعارض هو ، والقيام قدمه ؛ لأنه آكد إذ لا يسقط في النفل إلا لعذر بخلاف القيام

التالي السابق


حاشية الشرواني

( فصل في استقبال القبلة )

( قوله : أو بدلها ) وهو صوب المقصد في نفل السفر ( قوله : وما يتبع ذلك ) أي : كوجوب إتمام الأركان كلها ، أو بعضها في نفل السفر ع ش ( قوله : استقبال عين القبلة ) أي : لا جهتها [ ص: 484 ] على المعتمد في مذهبنا يقينا في القرب وظنا في البعد شيخنا ( قوله : أي الكعبة ) إلى قوله وفي الخادم في النهاية ( قوله : ؛ لأن ثبوتهما منها ) أي ثبوت كونهما جزءا من الكعبة ( قوله : وفي الخادم إلخ ) عبارة شيخنا ، والمراد بعينها جرمها أو هواؤها المحاذي إن لم يكن المصلي فيها وإلا فلا يكفي هواؤها ، بل لا بد من جرمها حقيقة حتى لو استقبل شاخصا منها ثلثي ذراع فأكثر تقريبا جاز ا هـ .

( قوله : وهوائه ) بالجر عطفا على البيت

( قوله : السابعة ) راجع إلى السماء أيضا شوبري ( قوله : والمعتبر مسامتتها عرفا إلخ ) لا يخفى أن هذا ظاهر فيما قاله إمام الحرمين من أنه لو وقف صف آخر المسجد بحيث يخرج بعضهم لو قربوا عن السمت صحت صلاتهم بخلاف ما لو خرج بعض الصف القريب عن السمت فإنه لا تصح صلاة من خرج عنه مع القطع بأن حقيقة المحاذاة لا تختلف في القرب ، والبعد فتعين أن المتبع فيه أي في البعد حكم الإطلاق ، والتسمية لا حقيقة المسامتة فمن أطلق عليه اسم الاستقبال عند البعد صحت صلاته وإن كان لو قرب خرج عن السمت إذ يعد في العرف محاذيا انتهى حينئذ فهذا لا يلتئم مع قوله الآتي إن صحت صلاة الصف الطويل محمول على انحراف فيه ، أو على أن المخطئ غير معين أي إذ الكل مستقبلون عرفا فتأمله وبالجملة فالأوجه ما قاله الإمام فليتدبر سم على حج ا هـ ع ش ويأتي عن الرشيدي ما يوافقه وقوله فهذا لا يلتئم مع قوله إلخ أقول : وكذا لا يلتئم مع قوله الآتي لكن يقينا إلخ ؛ لأن عدم توجه بعض الصف الطويل بلا انحراف فيه إلى عين الكعبة أمر محقق ، وكذا عدم المسامتة الحقيقية للإمام أو مأمومه فيما يأتي في كلام القيل أمر مقطوع به كما نبه عليه الرشيدي ، ثم قال فالحاصل أنا متى اعتبرنا المسامتة الحقيقية فإلزام الفارقي وهو صاحب القيل الآتي لا محيد عنه فالمتعين الاكتفاء بالمسامتة العرفية التي قالها إمام الحرمين وسيعول الشارح م ر عليها فيما يأتي في شرح قول المصنف ومن صلى في الكعبة واستقبل جدارها إلخ ا هـ

( قوله : وكونها ) أي : المسامتة ( قوله : وبمعظم البدن في الركوع ، والسجود ) يوهم أنه لو خرج دون المعظم عن القبلة في الركوع ، والسجود ، أو خرج الصدر فيهما عنها لا يضر وليس بمراد ولو أول الصدر الذي عبروا به بقوله أي بجهة الصدر التي هي أمام البدن الصادق لأحوال المصلي جميعها قياما وقعودا وركوعا وسجودا واستلقاء واضطجاعا لكان أولى طائفي على التحفة ( قوله : إلا فيما يأتي ) حاصل ما يأتي وجوب الاستقبال بالوجه ومقدم البدن في حق المصلي لجنبه وبالوجه في حق المصلي مستلقيا مع منازعته في وجوب الوجه الأول سم عبارة شيخنا واستقبالها بالصدر حقيقة في الواقف ، والجالس وحكما في الراكع ، والساجد ويجب استقبالها بالصدر ، والوجه لمن كان مضطجعا وبالوجه ، والأخمصين إن كان مستلقيا ا هـ .

( قوله : ولا بنحو اليد ) أي : كقدميه أخذا بإطلاقهم وهو الظاهر وإن استبعده سم على حج ع ش ( قوله : مما يأتي ) أي : آنفا بقوله بخلاف غيره كطرف اليد إلخ ( قوله : على ذلك ) أي : الاستقبال

( قوله : كما يأتي ) أي : في شرح ومن أمكنه علم القبلة ( قوله : لقوله إلخ ) تعليل لما في المتن ( قوله : فول إلخ ) أي : ، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها نهاية ومغني ( قوله : وجهك ) المراد بالوجه الذات ، والمراد بالذات بعضها كالصدر فهو مجاز مبني على مجاز بجيرمي ( قوله : بدليل إلخ ) وأيضا قد فسروا الشطر بالجهة ، والجهة تطلق على العين حقيقة وعلى غيرها مجازا ، بل ادعى بعضهم أنها لا تطلق إلا على العين سم وزيادي ا هـ بجيرمي ( قوله : { أنه صلى الله عليه وسلم [ ص: 485 ] ركع ركعتين } إلخ ) أي : مع خبر { صلوا كما رأيتموني أصلي } نهاية ومغني ( قوله : وصحة صلاة الصف إلخ ) مر ما فيه ( قوله : محمول على انحراف إلخ ) اعتمده الزيادي وشيخنا ( قوله : أو على أن المخطئ فيه غير معين ) هذا لا يصح فيما إذا امتد صف من جبل حراء إلى جبل ثور وكان الإمام طرف هذا الصف فإنه يقطع بأن الإمام ومن بالطرف الآخر خارجان عن محاذاة الكعبة لا يقال المراد المخطئ عن المحاذاة اسما لا حقيقة ؛ لأنا نقول لا مخطئ بهذا المعنى في هذا الفرض أي إن الصف من المشرق إلى المغرب سم ويأتي عن الرشيدي ما يوافقه

( قوله : ؛ لأن صغير الجرم إلخ ) كان وجه هذا التعليل أن اتساع المسامتة عند زيادة البعد يوجب عموم المحاذاة مع الانحراف ويوجب عدم تعين المخطئ ؛ لأن اتساع المسامتة يقتضي انغماره في غيره فلا يتعين هذا مع أن الوجه أن هذا التعليل إنما يناسب ما قاله الإمام كما تقدم من أن المعتبر حكم الإطلاق ، والتسمية لا حقيقة المسامتة فتأمله سم وفي الرشيدي ما حاصله إن أراد المسامتة الحقيقية وهو الموافق لمدعاه من عدم تعين المخطئ فقوله فاندفع إلخ ممنوع ؛ لأن عدم مسامتة الإمام ، أو المأموم فيما يأتي أمر مقطوع به فلم تصح القدوة وإن أراد المسامتة العرفية فلا تقريب ؛ لأن المسامتة بهذا المعنى متحققة بالنسبة للكل ا هـ .

( قوله : فاندفع إلخ ) أقول : في اندفاعه نظر ظاهر ؛ لأنه إذا كان بين الإمام ، والمأموم قد رسمت الكعبة أي بأن كانت المسافة بينهما تسع جميع الكعبة فأكثر وعلم أن الكعبة في تلك المسافة علم أن كلا منهما خارج عنها ، بل قد يخرج طرفا الصف الخارج عن مكة عن طرفيها فيعلم قطعا خروج كل من الطرفين عن الكعبة ؛ لأنها بعض عن مكة التي خرج الطرفان عنها فإذا اقتدى أحدهما بالآخر خرج كل منهما من محاذاتها وبهذا يندفع أيضا قوله : أو على أن المخطئ غير معين فتأمله ويجاب عن هذا بأن مراده أنه لا بد في الصف الطويل من أحد الأمرين إما الانحراف وإما كونه بحيث لا يتعين المخطئ فمتى كان بحيث يتعين فلا بد من الانحراف وإلا لم يصح فليتأمل

نعم هذا الجواب يقتضي أن المعتبر المسامتة حقيقة فيخالف قوله السابق عرفا لا حقيقة سم ( قوله : أن من صلى بإمام إلخ ) عبارة النهاية أن من صلى مأموما في صف مستطيل وبينه وبين الإمام أكثر من سمت الكعبة لا تصح صلاته لخروجه ، أو خروج إمامه عن سمتها ا هـ ( قوله : عن محاذاته ) أي البيت الشريف ( قوله : لو كان ) أي مستقبل الركن ( قوله : في كل منهما ) الأولى في واحد منهما ( قوله : أما العاجز ) إلى التنبيه في النهاية إلا قوله قال شارح ( قوله : لنحو مرض ) أي : بأن لم يقدر على التوجه بنفسه ولم يجد من يوجهه في محل يجب طلب الماء منه لا يقال هو عاجز فكيف يمكنه الطلب ؛ لأنا نقول يمكنه تحصيله بما دونه ع ش ( قوله : أو ماله ) قضيته أن الخوف على الاختصاص لا أثر له وإن كثر ع ش ( قوله : فيصلي على حسب حاله إلخ ) ظاهره ولو كان الوقت واسعا وقياس ما تقدم في فاقد الطهورين ونحوه أنه إن رجا زوال العذر لا يصلي إلا إذا ضاق الوقت وإن لم يرج زواله صلى في أوله ، ثم إن زال بعد على خلاف ظنه وجبت الإعادة في الوقت وإن استمر العذر حتى فات الوقت كانت فائتة بعذر فيندب قضاؤها فورا ويجوز التأخير بشرط أن يفعلها قبل موته كسائر الفوائت ع ش أقول ويفيد التقييد بضيق الوقت ما يأتي عن النهاية عند قول المتن إلا في شدة الخوف ( قوله : ولا يعيد إلخ ) أي : وجوبا قال في الكفاية ووجوب الإعادة دليل على الاشتراط أي [ ص: 486 ] فلا يحتاج إلى التقييد بالقادر فإنها شرط للعاجز أيضا بدليل القضاء ولذلك لم يذكره في التنبيه ، والحاوي واستدرك على ذلك أي الكفاية السبكي فقال لو كان شرطا لما صحت الصلاة بدونه ووجوب القضاء لا دليل فيه ا هـ وفي هذا نظر ؛ لأن الشرط إذا فقد تصح الصلاة بدونه وتعاد كفاقد الطهورين ، ثم رأيت الأذرعي تعرض لذلك مغني وارتضى النهاية بما قاله السبكي ، ثم استدل عليه بما لا يتجه

( قوله : ولو تعارض هو ، والقيام قدمه ؛ لأنه آكد ) عبارة النهاية ولو أمكنه أن يصلي إلى القبلة قاعدا وإلى غيرها قائما وجب الأول ؛ لأن فرض القبلة آكد من فرض القيام إلخ ، وكذا في المغني إلا أنه قال راكبا بدل قاعدا ( قوله : لعذر ) أي : كالسفر ( قوله : بخلاف القيام ) أي : فإنه يسقط في النفل مع القدرة من غير عذر نهاية

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث