الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( لا المساوقة )

                                                                                                                            ش : قال الشارح : المساوقة أن تكون أفعال المأموم تابعة لأفعال الإمام ومنهم من يعبر عنها بالملاحقة انتهى . ويشير المصنف إلى ما نقله في التوضيح عن البيان ، ونصه : وإن ابتدأه بعده فأتمها معه أو بعده أجزأه قولا واحدا والاختيار أن لا يحرم المأموم حتى يسكت الإمام قاله مالك انتهى .

                                                                                                                            ونقله ابن عرفة ، ثم قال اللخمي والمازري عن ابن عبد الحكم : إذا لم يسبقه إمامه بحرف بطلت ، ثم قال قلت مفهوم قول ابن رشد : إن بدأ بعد بدئه التكبير صح ، وإن أتم معه ، وعموم مفهوم قول ابن عبد الحكم : إن لم يسبقه إمامه بحرف وتأخر عنه في التمام ، والأظهر بطلانها ; لأن المعتبر كل التكبير لا بعضه انتهى .

                                                                                                                            قوله : وتأخر عنه أي تأخر عن الإمام المأموم في التمام وما قاله من البطلان ، والله أعلم ، وهو خلاف قول البساطي ، ولم يذكر ما إذا أتمها قبله ، والظاهر أن الابتداء بعده كاف انتهى . والظاهر ما قاله ابن عرفة ، وفي الجلاب إن كبر المأموم في أضعاف تكبيرة الإمام لم يجزه انتهى .

                                                                                                                            ص ( لكن سبقه ممنوع )

                                                                                                                            ش : قال البرزلي في أثناء كتاب الصلاة : المنصوص عندنا إن سبق المأموم الإمام بفعل الركن وعقده قبله فلا خلاف في عدم الإجزاء ، وإن كان يلحقه الإمام قبل كماله فقولان المشهور الصحة وهي عندي تجري على الخلاف في الحركة إلى الأركان هل هي واجبة لنفسها أو لغيرها ؟ فلا تجزئه على الأول لا الثاني انتهى . وذكره ابن عرفة وابن العربي في عارضته ، وظاهره سواء كان عمدا أو سهوا أو غفلة ، وهو كذلك إذا قال في مختصر الواضحة في كتاب الصلاة في ترجمة صلاة المريض والكبير ما نصه : وسئل مالك عن الأعمى يصلي خلف الإمام فيركع قبل ركوع الإمام ويسجد قبل سجوده ويسبح به فلا يفطن حتى إذا قضى صلاته أخبر بذلك ، قال يستأنف الصلاة انتهى .

                                                                                                                            ومن البرزلي أيضا في مسائل الصلاة مسألة من ظن أن إمامه ركع فركع ، ثم ركع إمامه فمن أعاد ركوعه مع الإمام أو بقي راكعا حتى لحقه الإمام فصلاته صحيحة ، وإن رفع رأسه قبل ركوعه ، ولم يعد فلا بد من إعادة الصلاة .

                                                                                                                            ( قلت ) لأنه عقد ركنا في نفس صلاة الإمام قبله انتهى . وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة فإذا ركع قبله ، ولم يفعل من [ ص: 128 ] الركوع معه قدر الواجب فهو كتارك الصلاة انتهى . وقال في المنتقى ، فإن رفع رأسه قبل إمامه ساهيا فلا يخلو إما أن يرفع رأسه من الركوع قبل ركوع إمامه أو بعد ركوعه ، فإن رفع قبل ركوعه فعليه الرجوع لاتباع إمامه إن أدرك ذلك ، وحكمه حكم الناعس والغافل يفوته الإمام بركعة فيتبعه ما لم يفت ، فإن وقع من ركوعه فقد تبع الإمام في ركوعه بمقدار فرضه أو رفع قبل ذلك قال القاضيأبو الوليد ، فإن رفع قبل ذلك فحكمه عندي حكم من رفع قبل ركوع الإمام ، وإن كان قد تبع الإمام في مقدار الفرض فركوعه صحيح ; لأنه قد تبع أمامه في فرضه ، ثم قال - مسألة - وهذا في الرفع ، فأما الخفض قبل الإمام لركوع أو سجود فإنه غير مقصود في نفسه بلا خلاف في المذهب ، وإنما المقصود منه الركوع أو السجود ، فإن أقام بعد ركوع الإمام راكعا أو ساجدا مقدار فرضه صحت صلاته إلا أنه قد أساء في خفضه قبل الإمام ، وإن لم يقم بعد ركوع إمامه راكعا أو ساجدا مقدار فرضه لم تصح صلاته وعليه أن يرجع لاتباع إمامه بركوعه وسجوده انتهى .

                                                                                                                            وفي نوازل سحنون من كتاب الصلاة قيل لسحنون : أرأيت الرجل يصلي مع الإمام فيسجد قبله ويركع قبله في صلاته كلها قال صلاته تامة ، وقد أخطأ ولا إعادة عليه ، ولو بعد قال محمد بن رشد : وهذا إذا سجد قبله وركع قبله فأدركه الإمام بسجوده وركوعه ، وهو راكع وساجد فرفع برفعه من الركوع والسجود أو رفع قبله ، وأما إن ركع ورفع والإمام واقف قبل أن يرفع ويسجد ورفع من السجود أيضا قبل أن يسجد الإمام ثم لم يرجع مع الإمام في ركوعه وسجوده وفعل ذلك في صلاته كلها فلا صلاة له ، واختلف إن فعل ذلك في ركعة واحدة أو سجدة واحدة فقيل : تجزئه الركعة ، وقيل لا تجزئه ، وقد بطلت عليه فيأتي بها بعد سلام الإمام ، فإن لم يفعل بطلت صلاته انتهى .

                                                                                                                            ص ( وأمر الرافع بعوده إن علم إدراكه قبل رفعه لا إن خفض )

                                                                                                                            ش : قال ابن غازي : الذي يظهر لي من نقولهم أنه إن علم إدراك الإمام فيما فارقه منه استوى في ذلك الرافع والخافض في الأمر بالعود ولم تختلف الطرق في هذا ، وإنما اختلفت طريقة الباجي وابن رشد واللخمي فيما إذا لم يعلم إدراكه بخلاف ما تعطيه عبارة المؤلف انتهى . وما قاله من مساواة الخافض للرافع فيما إذا علم إدراك إمامه صحيح لا شك فيه ، قال في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة وسألته عن الذي يسبق الإمام بالسجود ، ثم يسجد الإمام ، وهو ساجد أيثبت على سجوده أم يرفع رأسه ، ثم يسجد حتى يكون سجوده بعد الإمام فقال : بل يثبت كما هو على سجوده إذا أدركه الإمام ، وهو ساجد ، قال القاضي ومثل هذا الذي يسبق الإمام بلا ركوع يرجع ما لم يركع الإمام ، فإن ركع الإمام ، وهو راكع ثبت على ركوعه ، ولم يرفع رأسه حتى يكون ركوعه بعد ركوع الإمام ولا كلام في هذين الوجهين ، وإنما الكلام إذا سبق الإمام بالرفع من الركوع أو السجود فحكى ابن حبيب أن ذلك بمنزلة الذي يسبق الإمام بالركوع والسجود يرجع راكعا أو ساجدا حتى يكون رفعه مع الإمام إلا أن يلحقه الإمام قبل أن يرفع فيثبت معه بحاله ولا يعود إلى الركوع ولا إلى السجود ، وهو محمول عند من أدركنا من الشيوخ على أنه مذهب مالك - رحمه الله تعالى - وقد رأيت له نحوه في النوادر من رواية ابن القاسم انتهى .

                                                                                                                            ( فائدة ) ورد في الحديث { أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار } قال الدميري في شرح سنن ابن ماجه قال الشيخ تقي الدين ؟ هذا التحويل يقتضي تغيير الصورة الظاهرة ويحتمل أنه يرجع إلى أمر معنوي على سبيل مجازي فإن الحمار موصوف بالبلادة ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام ، قال وربما يرجح هذا المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة [ ص: 129 ] رفع المأمومين قبل الإمام ، قال الدميري : وقيل المراد تحويل صورته يوم القيامة ليحشر على تلك الصورة ولا يمتنع وقوع ذلك في الدنيا فقد نقل الشيخ شهاب الدين بن فضل الله في شرح المصابيح أن بعض العلماء فعل ذلك امتحانا فحول الله تعالى رأسه رأس حمار ، وكان يجلس بعد ذلك خلف ستر حتى لا يبرز للناس ، وكان يفتي من وراء حجاب انتهى .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية