الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو قيل : له لنقتلنك ، أو لتكفرن بالله أو تقتل هذا المسلم عمدا ، فإن كفر بالله تعالى ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، فهو في سعة ، ولا تبين امرأته منه لتحقق الضرورة في ذلك بسبب الإكراه ، فإنه لا يحل له قتل المسلم بحال ، فتتحقق الضرورة في إجراء كلمة الشرك كما لو أكره على ذلك بعينه ، والأصل فيه ما روي { أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : نعم ، فقال أتشهد أني رسول الله ، فقال [ ص: 136 ] لا أدري ما تقول ، فقتله ، وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : نعم ، فقال أتشهد أني رسول الله ، فقال نعم ، فخلى سبيله ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام أما الأول ، فقد آتاه الله تعالى أجره مرتين ، وأما الآخر ، فلا إثم عليه } ، ففي هذا دليل أنه يسعه ذلك عند الإكراه ، وأنه إن امتنع منه حتى قتل كان أعظم لأجره ; لأنه أظهر الصلابة في الدين ، ولأن إجراء كلمة الشرك جناية على الدين من حيث الصورة ، وإن لم تكن جناية معنى عند طمأنينة القلب بالإيمان ، والتحرز عن الجناية على الدين صورة ، ومعنى سبب لنيل الثواب ، ولا يحل له أن يقتل المسلم بحال ; لأنه لو أكره على ذلك بعينه لم يحل له أن يفعله ، فعند التردد بينه ، وبين غيره أولى ، فإن قتل الرجل المسلم .

ففي القياس عليه القود ; لأنه كان متمكنا من دفع البلاء عن نفسه بإجراء كلمة الشرك على اللسان ، فلا يأثم به ، ولا تبين منه امرأته ، فإذا ترك ذلك ، وأقدم على القتل كان بمنزلة الطائع في ذلك ، ولما لم يتحقق الإلجاء فيه ، فيصير حكم القتل عليه بمنزلة ما لو أكره عليه بالحبس ، فيلزمه القود ، ولكنه استحسن لإسقاط القود عنه إذ لم يكن عالما بأن الكفر يسعه في هذا الوجه ; لأن حرمة الشرك حرمة باتة مضمنة لا تنكشف بحال ، ولكن يرخص له مع طمأنينة القلب بالإيمان ، فهو يتحرز مما هو حرام ; لأن هذه الرخصة سببها خفي قد يخفى على كثير من الناس ، فيصير جهله بذلك شبهة في إسقاط القود عنه ، ولكن يجب عليه الدية في ماله في ثلاث سنين ; لأن الضرورة لم تتحقق له في الإقدام على القتل ، فيكون فعل القتل مقصورا عليه ، وإن أسقطنا عنه القود للشبهة ، والمال يثبت مع الشبهات ، فتجب الدية في ماله ، ولكن الدية بنفس القتل تجب مؤجلة ، ولم يذكر في الكتاب ما إذا كان عالما بأن الكفر يسعه ، وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أنه يلزمه القود ; لأنه لا يتقى له شبهة في الإقدام على القتل إذا كان عالما بأن الكفر يسعه ، فهو نظير المسلم إذا أكره على أكل الميتة ، ولحم الخنزير على ما بينه ، وهذه من جملة المسائل التي يضره العلم فيها ، ويخلص في جهله .

وفي هذا الكتاب من هذا الجنس خمس مسائل جمعناها في كتاب الوكالة ، ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول ، وإن كان يعلم ذلك لا يلزمه القود ; لأنه بما صنع قصد مغايظة المشركين ، وإظهار الصلابة في الدين ، ويباح للإنسان أن يبذل نفسه ، وماله لما يكون فيه كبت ، وغيظ للمشركين ، فيقاتلهم ، وإن كان يعلم أنهم يقتلونه ، فإذا كان يحل له في نفسه ، ففي نفس الغير أولى وإن كان لا يحل له ذلك ، فيصير شبهة في درء القود عنه ولو قيل له : لنقتلنك ، أو لتأكلن هذه الميتة ، أو لتقتلن هذا المسلم عمدا ، فينبغي له أن يأكل الميتة لما [ ص: 137 ] بينا أن حرمة الميتة تنكشف عند الضرورة ، وقد تحققت الضرورة هنا ، فالتحقت الميتة بالمباح من الطعام كما لو أكره عليه بعينه ، فإن لم يأكل الميتة وقتل المسلم ، فعليه القود ; لأنه طائع في الإقدام على القتل حين تمكن من دفع البلاء عن نفسه بتناول الميتة وذلك مباح له عند الضرورة ، وليس في التحرز عن المباح إظهار الصلابة في الدين ، فلهذا لزمه القود ، وأشار إلى الفرق بين هذا ، وبين ما تقدم ، فقال .

( ألا ترى ) أنه لو لم يكفر حتى قتل كان مأجورا ، ولو لم يأكل الميتة حتى قتل كان آثما إذا كان يعلم أنه يسعه ذلك .

وقد بينا في أول الكتاب قول أبي يوسف رحمه الله في أنه لا يأثم إذا امتنع من التناول عند الضرورة ، وأن الأصح ما ذكره في الكتاب من انكشاف الحرمة ، ولو أكرهه في هذا بوعيد أو سجن ، أو قيد لم يسعه أن يكفر ، فإن ، فعل بانت منه امرأته ; لأن الضرورة لم تتحقق ، فإن شرب الخمر عند الإكراه بالحبس ، ففي القياس عليه الحد ; لأنه لا تأثير للإكراه بالحبس في الأفعال فوجوده كعدمه .

( ألا ترى ) أن العطشان الذي لا يخاف على نفسه الهلاك إذا شرب الخمر يلزمه الحد ، فالمكره بالحبس قياسه ، وفي الاستحسان لا حد عليه ; لأن الإكراه لو تحقق به الإلجاء صار شرب الخمر مباحا له ، فإذا وجد جزء منه يصير شبهة كالملك في الحر ، وفي الجارية المشتركة يصير شبهة في إسقاط الحد عنه بوطئها ; ولأن الإكراه بالحبس معتبر في بعض الأحكام غير معتبر في البعض ، وحد الخمر ضعيف ثبت باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على ما قال علي رضي الله عنه : ما من أحد أقيم عليه حد فيموت ، فأجد في نفسي من ذلك شيئا إلا حد الخمر ، فإنه ثبت بآرائنا ، فلهذا صار هذا القدر من الإكراه شبهة في إسقاط هذا الحد خاصة وإن قتل المسلم قتل به في الوجوه كلها ; لأن الإكراه بالحبس لا أثر له في نسبة الفعل إلى المكره ولا في إباحة القتل ، فلا يصير الإكراه بالحبس شبهة في إسقاط القود عن القاتل .

التالي السابق


الخدمات العلمية