الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الإيلاء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الإيلاء [ ص: 303 ] عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : { آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم ، فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين الكفارة } . رواه ابن ماجه والترمذي وذكر أنه قد روي عن الشعبي مرسلا وأنه أصح ) .

2890 - ( وعن ابن عمر قال : إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق ، يعنى المولي . أخرجه البخاري ، وقال : ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أحمد بن حنبل في رواية أبي طالب : قال عمر وعثمان وعلي وعن عمر : يوقف المولي بعد الأربعة ، فإما أن يفيء وإما أن يطلق ) .

2891 - ( وعن سليمان بن يسار قال : أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقفون المولي . رواه الشافعي والدارقطني ) .

2892 - ( وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال : سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يولي ، قالوا : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف ، فإن فاء وإلا طلق . رواه الدارقطني )

التالي السابق


حديث الشعبي قال الحافظ في الفتح : رجاله موثقون ولكنه رجح الترمذي إرساله على وصله . وأثر عمر ذكره البخاري موصولا من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر بن عبد الحميد بن أبي أويس . وأثر عثمان وصله الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بلفظ { يوقف المولي فإما أن يفيء وإما أن يطلق } وهو من رواية طاوس عنه ، وفي سماعه منه نظر ، لكن أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر منقطع عنه أنه كان لا يرى الإيلاء شيئا وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف .

وأخرج عبد الرزاق والدارقطني [ ص: 304 ] عنه خلاف ذلك ، ولفظه " قال عثمان : إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة " وقد رجح أحمد رواية طاوس عنه وأثر علي وصله الشافعي وابن أبي شيبة وسنده صحيح ، وكذلك روى عنه مالك : " أنه إذا مضت الأربعة أشهر لم يقع عليه طلاق حتى يوقف ، فإما أن يطلق وإما أن يفيء " وهو منقطع لأنه من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عنه .

وأخرج نحوه عنه سعيد بن منصور بإسناد صحيح . وأثر أبي الدرداء وصله ابن أبي شيبة ولفظه : " إن أبا الدرداء قال : يوقف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة ، فإما أن يطلق وإما أن يفيء " وإسناده صحيح . وأثر عائشة وصله عبد الرزاق مثل قول أبي الدرداء وهو منقطع لأنه من رواية قتادة عنها ، ولكنه أخرج عنها سعيد بن منصور أنها كانت لا ترى الإيلاء شيئا حتى يوقف ، وإسناده صحيح . وأخرج الشافعي عنها نحوه بإسناد صحيح أيضا وأما الآثار الواردة عن اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجها البخاري في تاريخه موصولة .

وأثر سليمان بن يسار أخرجه أيضا إسماعيل القاضي من طريق يحيى بن سعيد بن سليمان بن يسار قال : " أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : الإيلاء لا يكون طلاقا حتى يوقف " وأثر سهيل بن أبي صالح إسناده في سنن الدارقطني هكذا : أخبرنا أبو بكر النيسابوري ، أخبرنا أحمد بن منصور ، أخبرنا ابن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه فذكره ، ويشهد له ما تقدم .

وأخرج إسماعيل القاضي عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال : أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة وفي الباب من المرفوع عن أنس عند البخاري : { أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه } الحديث . وعن أم سلمة عند البخاري بنحوه . وعن ابن عباس عنه : { أنه صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا } وعن جابر عند مسلم { أنه صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه شهرا }

قوله : ( آلى ) الإيلاء في اللغة : الحلف .

وفي الشرع : الحلف الواقع من الزوج أن لا يطأ زوجته . ومن أهل العلم من قال : الإيلاء : الحلف على ترك كلامها أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك . ونقل عن الزهري أنه لا يكون الإيلاء إيلاء إلا أن يحلف المرء بالله فيما يريد أن يضار به امرأته من اعتزالها ، فإذا لم يقصد الإضرار لم يكن إيلاء .

وروي عن علي وابن عباس والحسن وطائفة أنه لا إيلاء إلا في غضب ، فأما من حلف أن لا يطأها بسبب الخوف على الولد الذي يرضع منها من الغيلة فلا يكون إيلاء

وروي عن القاسم بن محمد وسالم فيمن قال لامرأته : إن كلمتك سنة فأنت طالق ، قالا : إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت . وإن كلمها قبل سنة فهي طالق .

وروي عن يزيد بن الأصم أن ابن عباس قال له : " ما فعلت امرأتك فعهدي بها سيئة الخلق فقال : لقد خرجت وما أكلمها ، قال : أدركها قبل أن [ ص: 305 ] تمضي أربعة أشهر ، فإن مضت فهي تطليقة " قوله : ( وحرم ) في الصحيحين أن الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه هو العسل . وقيل : تحريم مارية وسيأتي . وروى ابن مردويه من طريق عائشة ما يفيد الجمع بين الروايتين ، وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } الآية . ومدة إيلائه صلى الله عليه وسلم من نسائه شهر كما ثبت في صحيح البخاري . واختلف في سبب الإيلاء ، فقيل : سببه الحديث الذي أفشته حفصة كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس . واختلف أيضا في ذلك الحديث الذي أفشته ، وقد وردت في بيانه روايات مختلفة

وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء ، فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدا قالوا : فإن حلف على أنقص منها لم يكن موليا . وقال إسحاق : إن حلف أن لا يطأها يوما فصاعدا ثم لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر فصاعدا كان إيلاء ، وجاء عن بعض التابعين مثله . وحكى صاحب البحر عن ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وقتادة والحسن البصري والنخعي وحماد بن عيينة أنه ينعقد بدون أربعة أشهر ، لأن القصد مضارة الزوجة وهي حاصلة في دونها . واحتج الأولون بقوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } وأجاب الآخرون عنها بأن المراد بها المدة التي تضرب للمولي ، فإن فاء بعدها وإلا طلق حتما ، لا أنه لا يصح الإيلاء بدون هذه المدة

ويؤيد ما قالوه ما تقدم من إيلائه صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرا ، فإنه لو كان ما في القرآن بيانا لمقدار المدة التي لا يجوز الإيلاء دونها لم يقع منه صلى الله عليه وسلم ذلك . وأيضا الأصل أن من حلف على شيء لزمه حكم اليمين ، فالحالف من وطء زوجته يوما أو يومين مول . وأخرج عبد الرزاق عن عطاء أن الرجل إذا حلف أن لا يقرب امرأته سمى أجلا أو لم يسمه ، فإن مضت أربعة أشهر ألزم حكم الإيلاء . وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن البصري أنه إذا قال لامرأته : والله لا أقربها الليلة ، فتركها أربعة أشهر من أجل يمينه تلك فهو إيلاء . وأخرج الطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس قال : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين ، فوقت الله لهم أربعة أشهر ، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء

قوله : ( فإما أن يفيء ) الفيء : الرجوع ، قاله أبو عبيدة وإبراهيم النخعي في رواية الطبري عنه ، قال : الفيء : الرجوع باللسان . ومثله عن أبي قلابة وعن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة : الفيء : الرجوع بالقلب لمن به مانع عن الجماع وفي غيره بالجماع . وحكى ذلك في البحر عن العترة والفريقين . وحكاه صاحب الفتح عن أصحاب ابن مسعود . وعن ابن عباس : الفيء : الجماع . وحكي مثله عن مسروق وسعيد بن جبير والشعبي . قال الطبري : اختلافهم في هذا من اختلافهم في تعريف الإيلاء ، فمن خصه بترك الجماع قال : لا يفيء إلا بفعل الجماع . ومن قال : الإيلاء : [ ص: 306 ] الحلف على ترك كلام المرأة أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في الفيء الجماع ، بل رجوعه بفعل ما حلف أنه لا يفعله

قال في البحر : فرع : ولفظ الفيء : ندمت على يميني ولو قدرت الآن لفعلت أو رجعت عن يميني ونحوه ، انتهى . وقد ذهب الجمهور إلى أن الزوج لا يطالب بالفيء قبل مضي الأربعة الأشهر .

وقال ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة : إنه يطالب فيها لقراءة ابن مسعود { فإن فاءوا } فيهن قالوا : وإذا جاز الفيء جاز الطلب إذ هو تابع . ويجاب بمنع الملازمة وبنص { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } فإن الله سبحانه شرع التربص هذه المدة فلا يجوز مطالبة الزوج قبلها ، واختياره للفيء قبلها إبطال لحقه من جهة نفسه فلا يبطل بإبطال غيره . وذهب الجمهور إلى أن الطلاق الواقع من الزوج في الإيلاء يكون رجعيا ، وهكذا عند من قال : إن مضي المدة يكون طلاقا وإن لم يطلق

وقد أخرج الطبري عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت أنها إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت طلقة بائنة . وأخرج أيضا عن جماعة من التابعين من الكوفيين وغيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن سيرين مثله . وأخرج أيضا من طريق سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي أنها تطلق طلقة رجعية . وأخرج سعيد بن منصور عن جابر بن زيد أنها تطلق بائنا . وروى إسماعيل القاضي في أحكام القرآن بسند صحيح عن ابن عباس مثله ، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث