الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              الدعامة الأولى : في الحد

              الفن الأول : في القوانين

              ويجب تقديمها لأن المفردات تتقدم على معرفة المركبات ، وتشتمل على فنين : فن يجري مجرى القوانين ، وفن يجري مجرى الامتحانات لتلك القوانين .

              الفن الأول : في القوانين وهي ستة : القانون الأول :

              أن الحد إنما يذكر جوابا عن سؤال في المحاورات ، ولا يكون الحد جوابا عن كل سؤال بل عن بعضه والسؤال طلب وله لا محالة مطلوب وصيغة ، والصيغ والمطالب كثيرة ولكن أمهات المطالب أربع

              المطلب الأول : ما يطلب بصيغة " هل " . يطلب بهذه الصيغة أمران إما أصل الوجود كقولك : هل الله تعالى موجود ، أو يطلب حال الموجود ووصفه كقولك : هل الله تعالى خالق البشر ، وهل الله تعالى متكلم وآمر وناه .

              المطلب الثاني : ما يطلب بصيغة " ما " .

              ويطلق لطلب ثلاثة أمور :

              الأول : أن يطلب به شرح اللفظ كما يقول من لا يدري العقار : ما العقار ؟ فيقال له : الخمر ، إذا كان يعرف لفظ الخمر

              الثاني : أن يطلب لفظ محرر جامع مانع يتميز به المسئول عنه من غيره كيفما كان الكلام سواء كان عبارة عن عوارض ذاته ولوازمه البعيدة عن حقيقة ذاته أو حقيقة ذاته كما سيأتي الفرق بين الذاتي والعرضي ، كقول القائل : ما الخمر ؟ فيقال : هو المائع الذي يقذف بالزبد ثم يستحيل إلى الحموضة ويحفظ في الدن . والمقصود أن لا يتعرض لحقيقة ذاته بل يجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر بحيث لا يخرج منه خمر ولا يدخل فيه ما ليس بخمر .

              والثالث : أن يطلب به ماهية الشيء وحقيقة ذاته ، كمن يقول : ما الخمر ؟ فيقال : هو شراب مسكر معتصر من العنب ، فيكون ذلك كاشفا عن حقيقته ثم يتبعه لا محالة التمييز . واسم الحد في العادة . يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك ، فلنخترع لكل [ ص: 12 ] واحد اسما ولنسم الأول حدا لفظيا إذ السائل لا يطلب به إلا شرح اللفظ ، ولنسم الثاني حدا رسميا إذ هو مطلب مرتسم بالعلم غير متشوف إلى درك حقيقة الشيء ، ولنسم الثالث حدا حقيقيا إذ مطلب الطالب منه درك حقيقة الشيء ، وهذا الثالث شرطه أن يشتمل على جميع ذاتيات الشيء ، فإنه لو سئل عن حد الحيوان فقيل جسم حساس فقد جيء بوصف ذاتي ، وهو كاف في الجمع والمنع ولكنه ناقص بل حقه أن يضاف إليه المتحرك بالإرادة ، فإن كنه حقيقة الحيوان يدركه العقل بمجموع أمرين ، فأما المرتسم الطالب للتمييز فيكتفي بالحساس وإن لم يقل إنه جسم أيضا .

              المطلب الثالث : ما يطلب بصيغة " لم " . وهو سؤال عن العلة وجوابه بالبرهان على ما سيأتي حقيقته

              المطلب الرابع : ما يطلب بصيغة " أي " . وهو الذي يطلب به تمييز ما عرف جملته عما اختلط به ، كما إذا قيل : ما الشجر ؟ فقيل : إنه جسم ، فينبغي أن يقال : أي جسم هو ؟ فيقول : نام . وأما مطلب ( كيف ) و ( أين ) و ( متى ) وسائر صيغ السؤال فداخل في مطلب " هل " والمطلوب به صفة الوجود .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية