الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
مسألة :

" ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة "

لا يختلف المذهب أنه يشترط في جواز المسح على العمامة والخفين أن يكون قد لبسهما على طهارة ، فلو كان محدثا حين لبسهما أو أحدث حين وضع قدمه في " الخف " قبل أن يستقر لم يجز له المسح؛ لأن الحديث تعلق بالرجل في حال ظهورها فصار فرضها الغسل؛ لأنه لا مشقة فيه حينئذ فلا يجوز أن ينوب عنه المسح؛ لأنه أخف منه، كمن نسي صلاة حضر فذكرها في السفر فقد استقرت في ذمته تامة فلا يجوز قصرها بخلاف ما إذا لبس طاهرا ثم أحدث فإنه تعلق بها على صفة يشق غسلها فكان الفرض فيها على أحد الأمرين ؛ إما الغسل أو المسح ، وكذلك لا بد أن تكون الطهارة قبل اللبس فلو لبس الخف على حدث ثم توضأ وغسل رجليه فيه لم يجز له المسح عليه حتى يخلعه ثم يلبسه ليكون حين اللبس متطهرا .

[ ص: 278 ] لما روى المغيرة بن شعبة قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه، وغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال : " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما " متفق عليه ، ولأبي داود : " دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح عليهما " .

وعن المغيرة بن شعبة قال : " قلنا يا رسول الله أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال : نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان " رواه الحميدي في مسنده والدارقطني في سننه ، وعن صفوان بن عسال قال : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا " ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نخلعهما إلا من جنابة " رواه أحمد والدارقطني وابن خزيمة ، قال الخطابي : " هو صحيح الإسناد ، وبهذا يدل على أن الطهارة شرط حين أدخلهما الخفين؛ ولأنه إذا لبس الخف محدثا لبسه مع قيام فرض الغسل بالرجل فأشبه ما لو لم يغسلهما حتى أحدث، ولا يقال النزع واللبس عبث بل هو تحقيق لشرط الإباحة كما أن من ابتاع طعاما بالكيل ثم باعه فإنه يكيله ثانيا .

[ ص: 279 ] ولا بد أن يبتدئ لبسهما على طهارة كاملة في أشهر الروايتين، وفي الأخرى يكفيه أن يدخل كل قدم وهي طاهرة ، فلو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم الأخرى وأدخلها الخف لم يبح له المسح في ظاهر المذهب حتى يخلع ما لبسه قبل تمام طهره فليلبسه بعده ، ولذلك لو نوى الجنب رفع الحدثين وغسل رجليه ثم أدخلهما الخف ثم تمم طهارته أو فعل ذلك المحدث، وقلنا: الترتيب ليس بشرط لم يجز له المسح على الأولى ، وجاز على الثانية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان ) وذلك يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد ، كما يقال دخل الرجلان الدار وهما راكبان فإنه يقتضي أن كليهما راكب حين دخوله سواء كان الأول إذ ذاك راكبا أو لم يكن .

ووجه الأول في حديث صفوان المتقدم إذا أدخلناهما مع طهر وذاك إنما يراد به الطهر الكامل .

وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما " رواه الأثرم والدارقطني وابن خزيمة ، وقال الخطابي : هو صحيح الإسناد .

والتطهر إنما هو كمال التوضؤ؛ ولأن اللبس اعتبرت له الطهارة فاعتبرت [ ص: 280 ] الطهارة الكاملة كمس المصحف ومسح الخف فإنه لا يجوز أن يمس المصحف بعضو غسله حتى يطهر الجميع .

ولا يمسح على خف رجل غسلها حتى يغسل الرجل الأخرى ويلبس خفها ، والحديث حجة لنا " لإثبات " أن كل واحدة طاهرة عند دخولها ، ولا يثبت لها الطهارة حتى يغسل الأخرى ؛ لأن الحدث الأصغر لا يتبعض ولا يرتفع عن العضو إلا بعد كمال الوضوء ، ولهذا لا يجوز له مس المصحف بعضو مغسول ، على أن ما ذكروه ليس بمطرد فإنه لو قال لامرأتيه : أنتما طالقتان إن شئتما أو إن حضتما لم يقع طلاق واحدة منهما حتى يوجد الشرط منهما .

فأما العمامة ، فقال أصحابنا : هي كالخف فلو مسح على رأسه ثم لبسها ثم غسل رجليه لم يجزئه في أشهر الروايتين " حتى " يبتدئ لبسها بعد كمال الطهارة ، وفي الأخرى يجزئه ؛ لأنه لبسها بعد طهارة محلها ، ولو لبسها محدثا ثم توضأ ومسح على رأسه ورفعها رفعا فاحشا فكذلك كما لو لبس الخف محدثا فلما غسل رجليه رفعه إلى الساق ثم أعاده ، وإن لم يرفعها رفعا فاحشا فيحتمل أن يكون كما لو غسل رجليه في الخف ؛ لأن الرفع اليسير لا يخرجه عن حكم اللبس ؛ لأنه إنما عفي عنه هناك للمشقة ، ويتوجه أن يقال في العمامة : لا يشترط فيها ابتداء اللباس على طهارة بل يكفي فيها الطهارة المستدامة ؛ لأن العادة الجارية أن الإنسان إذا توضأ رفع العمامة ومسح برأسه ثم أعادها ، ولم تجر العادة بأن يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء ولا أن يجعلها بعد وضوئه ثم يلبسها بخلاف الخف .

[ ص: 281 ] فإن عادته أن يبتدأ لبسه بعد كمال الطهارة ، وغسله في الخف نادر ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في المسح على العمامة شيء من ذلك وهو موضع حاجة ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وقد علل أصحابنا الخف بندرة غسل الرجل فيه ، وهذه العلة تنعكس في العمامة لا سيما إن قلنا : ابتداء اللبس على كمال الطهارة واجب ، فأما إن قلنا : يكفي لبسها على طهارة محلها وجعلنا رفعها شيئا يسيرا ، ثم إعادتها ابتداء لبس فهو شبيه بما ذكرنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية