الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

4612 - وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ؟ فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث بها أحدا ، فإنها لن تضره " . متفق عليه .

التالي السابق


4612 - ( وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم ) : بضم الحاء وسكون اللام ويضم ، ما يرى في المنام من الخيالات الفاسدة ( من الشيطان ) : أضافها إليه لكونها على مراده . وفي النهاية : الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء ، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن ، وغلب الحلم على ما يراه من الشر ، والأمر القبيح ، ومنه قوله تعالى : أضغاث أحلام ، ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر وتضم لام الحلم وتسكن اهـ . لكن أضغاث أحلام بمعنى : أخلاطها حيث خلط بعض ما يدل على الخير ببعض ما يدل على الشر ، فحينئذ يعجز عنه أكثر المعبرين الذين هم ليسوا بحاذقين بخلاف الحلم الخاص بالخير أو الشر ، فإنه يدركه المعبر وقد يدركه غيره أيضا كما هو مشاهد ، ولذا قال المعبرون في زمن يوسف عليه السلام : ( وما نحن بتأويل الأحلام ) أي : تلك الأحلام ( بعالمين ) ، أو بتأويل الأحلام مطلقا ، فإن ما يتميز به المعبر من غيره هو هذا النوع من الأحلام ، ولذا كاد أن يقرب تأويله إلى المعجزة أو الكرامة ، ولذا من الله سبحانه على يوسف بقوله : ويعلمك من تأويل الأحاديث وعمم هذه المنة على نبي هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - جميعها بقوله عز وجل : وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما زاده تبجيلا وتكريما وتشريفا وتعظيما ، وسيأتي بعض تأويلاته - صلى الله عليه وسلم - لبعض أحلامه ، أو أحلام بعض أعلام أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين . قال النووي : الله سبحانه هو الخالق للرؤيا والحلم ، لكن جعل الرؤيا والاعتقادات التي هي أعلام على ما يسر بغير حضرة الشيطان محبوبة ، وجعل ما هو علامة على ما يضر بحضرة الشيطان مكروهة ، فتنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها ، لا على أن الشيطان يفعل ما يشاء ، وقيل : إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، وإضافة المكروهة إلى الشيطان ; لأنه يرضاها ويسر بها . ( فإن رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث ) : بضم المثلثة ويسكن ، أي : فلا يحكي ولا يخبر به . ( إلا من يحب ) أي : من العلماء والصلحاء والأقرباء ، ويحمده سبحانه على ذلك كما في رواية للبخاري ومسلم : إذا رأى في منامه ما يحب فليحمد الله عليها وليحدث بها ، ولا يحدث بها إلا من يحب . ( وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله ) أي : فلا يلتفت إلى غيره سبحانه ، وليلتجئ إليه وليستعذ به ( من شرها ) أي : شر تلك الرؤيا الفاسدة ( ومن شر الشيطان ) : أي : الذي يفرح بها ويلقي الوسوسة إلى صاحبها .

[ ص: 2918 ] ( وليتفل ) : بضم الفاء ، وقيل بكسرها ، أي : يبصق ( عن يساره ) : كما في رواية ، وفي رواية لينفث ومعانيها متقاربة . قال الجزري : التفل شبيه بالبزق وهو أقل منه فأوله البزق ، ثم التفل ، ثم النفث ، ثم النفخ اهـ . والمعنى ليبصق ماء فمه كراهة الرؤيا وتحقيرا للشيطان ( ثلاثا ) : للمبالغة ( ولا يحدث ) : بالجزم عطفا على ليتفل ، أي : ولا يخبر ( بها أحدا ) أي : سواء ممن يحبه أو لا يحبه ، وفيه إشارة خفية إلى أن وقت النعمة ينبغي أن يرى أثر نعمته تعالى على عبده ، ولذا قال تعالى : وأما بنعمة ربك فحدث ، وأما وقت البلية فينبغي أن يرجع العبد إلى مولاه ، وأن ينقطع عما سواه ، ولذا قال تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله ، وقال يعقوب : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) ، كما ورد في بعض الأدعية المأثورة : اللهم لك الحمد وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بك . ( فإنها ) ، أي : الرؤيا المكروهة ( لن تضره ) أي : حينئذ ; لأنه يعلم أن كل شيء من الحبيب حبيب ، وأن الله هو المحمود في كل أفعاله ، فيحصل حينئذ الرضا بجميع أحواله .

قال النووي : ومعنى لن تضره : أنه تعالى جعل فعله من التعوذ والتفل وغيره سببا لسلامته من مكروه يترتب عليها ، كما جعل الصدقة وقاية للمال ، وسببا لدفع البلاء . وقوله : لا يحدث بها أحدا ، أي : حتى لا يفسرها أحد تفسيرا مكروها على ظاهر صورتها ، وكان ذلك محتملا ، فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى . قال الطيبي : وسيجيء تمام البحث فيه في الحديث الأول من الفصل الثاني . قلت : وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله سبحانه . ( متفق عليه ) : وفي الجامع الصغير : رواه مسلم عن أبي قتادة ولفظه : الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان ، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئا فلينفث عن يساره ، وليتعوذ بالله من الشيطان ، فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحدا ، فإن رأى رؤية حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث