الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولا يدفع إلى بني هاشم ) لقوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 273 ] { يا بني هاشم إن الله تعالى حرم عليكم غسالة الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس } [ ص: 274 ] بخلاف التطوع ، لأن المال هاهنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض . أما التطوع فبمنزلة التبرد بالماء . قال : ( وهم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم ) أما هؤلاء فلأنهم ينسبون إلى بني هاشم بن عبد مناف ونسبة القبيلة إليه . وأما مواليهم فلما روي { أن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أتحل لي الصدقة ؟ فقال : لا أنت مولانا } [ ص: 275 ] بخلاف ما إذا أعتق القرشي عبدا نصرانيا حيث تؤخذ منه الجزية ويعتبر حال المعتق لأنه القياس والإلحاق بالمولى بالنص وقد خص الصدقة .

التالي السابق


( قوله ولا يدفع إلى بني هاشم ) هذا ظاهر الرواية ، وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة أنه يجوز في هذا الزمان وإن كان ممتنعا في ذلك الزمان . وعنه وعن أبي يوسف أنه يجوز أن يدفع بعض بني هاشم إلى بعض زكاتهم . وظاهر لفظ المروي في الكتاب ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام { يا بني هاشم إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس } لا ينفيه للقطع بأن المراد من الناس غيرهم لأنهم المخاطبون بالخطاب المذكور عن آخرهم ، والتعويض بخمس الخمس عن صدقات الناس لا يستلزم [ ص: 273 ] كونه عوضا عن صدقات أنفسهم ، لكن هذا اللفظ غريب ، والمعروف ما في مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال : { اجتمع ربيعة والعباس بن عبد المطلب فقالا : لو بعثنا هذين الغلامين لي وللفضل بن العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما على هذه الصدقة فأصابا منها كما يصيب الناس ، فقال علي : لا ترسلوهما فانطلقنا حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ عند زينب بنت جحش فقلنا : يا رسول الله قد بلغنا النكاح وأنت أبر الناس وأوصل الناس ، وجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك كما تؤدي الناس ونصيب كما يصيبون ، قال : فسكت طويلا ثم قال : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ، ادعوا لي محمية بن جزء ، رجلا من بني أسد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمله على الأخماس ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، فأتياه فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس ، فأنكحه ، وقال لنوفل بن الحارث : أنكح هذا الغلام ابنتك ، فأنكحني ، وقال لمحمية : أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا } .

وهذا ما وعدناك من النص على عدم حل أخذها للعامل الهاشمي ، ولا يجب فيه حمل الناس على غيرهم بخلاف لفظ الهداية ، ولفظه للطبراني { لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة أيدي الناس ، وإن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم } يوجب تحريم صدقة بعضهم على بعض .

وكذا ما روى البخاري { عنه عليه الصلاة والسلام نحن أهل البيت لا تحل لنا الصدقة } ثم لا يخفى أن هذه العمومات تنتظم الصدقة النافلة والواجبة فجروا على موجب ذلك في الواجب ، فقالوا : لا يجوز صرف كفارة اليمين والظهار والقتل وجزاء الصيد وعشر الأرض وغلة الوقف إليهم . وعن أبي يوسف : يجوز في غلة الوقف إذا كان الوقف عليهم لأنهم حينئذ بمنزلة الوقف على الأغنياء فإن كان على الفقراء ولم يسم بني هاشم لا يجوز ، ومنهم من أطلق في منع صدقة الأوقاف لهم ، وعلى الأول إذا وقف على الأغنياء يجوز الصرف إليهم ، وأما الصدقة النافلة في النهاية : ويجوز النفل بالإجماع وكذا يجوز النفل للغني ، كذا في فتاوى العتابي انتهى .

وصرح في الكافي بدفع صدقة الوقف إليهم على أنه بيان المذهب من غير نقل خلاف ، فقال : وأما التطوع والوقف فيجوز الصرف إليهم لأن المؤدي في الواجب يطهر نفسه بإسقاط الفرض فيتدنس المؤدى كالماء المستعمل ، وفي النفل يتبرع بما ليس عليه فلا يتدنس بها المؤدى كمن تبرد بالماء ا هـ والحق الذي يقتضيه النظر إجراء صدقة الوقف مجرى النافلة ، فإن ثبت في النافلة جواز الدفع يجب دفع الوقف وإلا فلا إذ لا شك في أن الواقف متبرع بتصدقه بالوقف إذ لا إيقاف واجب ، وكأن منشأ الغلط وجوب دفعها على الناظر وبذلك لم تصر واجبة على المالك بل غاية الأمر أنه وجوب اتباع شرط الواقف على الناظر . فوجوب الأداء هو نفس هذا الوجوب فلنتكلم في النافلة ، ثم يعطى مثله للوقف ففي شرح الكنز لا فرق بين الصدقة الواجبة والتطوع .

ثم قال : وقال بعض : يحل لهم التطوع ا هـ . فقد أثبت الخلاف على وجه يشعر بترجيح حرمة النافلة وهو الموافق للعمومات فوجب اعتباره فلا يدفع إليهم النافلة إلا على وجه الهبة مع الأدب وخفض الجناح تكرمة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأقرب الأشياء إليك حديث { لحم بريرة الذي تصدق به عليها لم يأكله حتى اعتبره هدية منها ، فقال هو عليها صدقة ولنا منها هدية } والظاهر أنها كانت صدقة نافلة . وأيضا [ ص: 274 ] لا تخصيص للعمومات إلا بدليل . والقياس الذي ذكره المصنف لا يخص به ابتداء بل بعد إخراج شيء بسمعي سلمناه ، لكن لا يتم في القياس المقصود وغير المقصود . وأما الثاني لم يتم له أصل صحيح ، وقوله المال هنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض ظاهره أن الماء أصل ، وليس بصحيح إذ حكم الأصل لا بد من كونه منصوصا عليه أو مجمعا ، وليس ثبوت هذا الحكم للماء كذلك بل المال هو المنصوص على حكمه هذا من التدنس فهو أصل للماء في ذلك . فإثبات مثله شرعا للماء إنما هو بالقياس على المال ، إذ لا نص في الماء ، ونفس المصنف مشى على الصواب في ذلك في بحث الماء المستعمل حيث قال في وجه الرواية المختارة للفتوى إلا أنه يعني الماء أقيمت به قربة فتغيرت صفته كمال الصدقة فجعل مال الصدقة أصلا فكيف يجعل هنا الماء أصلا لمال الصدقة .

وأما القياس المقصود هنا في قوله التطوع بالصدقة بمنزلة التبرد بالماء غير صحيح ، فإنه إلحاق قربة بغير قربة ، والصواب في الإلحاق أن يقال بمنزلة الوضوء على الوضوء ليكون إلحاق قربة نافلة بقربة نافلة ، وبعد هذا إن ادعى أن حكم الأصل عدم تدنس ما أقيم به هذه القربة منعنا حكم الأصل فإن التدنس للآلة بواسطة خروج الأثام وإزالة الظلمة ، والقربة النافلة تفيد ذلك أيضا بقدره . وقد قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام { الوضوء على الوضوء نور على نور } أنه يفيد إزالة الظلمة بقدر إفادة زيادة ذلك النور ، ولهذا كان المذهب أن الوضوء النفل إذا كان منويا يصير الماء به مستعملا على ما عرف في قوله المستعمل : هو ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة ، والله أعلم .

( قوله وهم آل علي إلخ ) لما كان المراد من بني هاشم الذين لهم الحكم المذكور ليس كلهم بين المراد منهم بعددهم فخرج أبو لهب بذلك حتى يجوز الدفع إلى بنيه لأن حرمة الصدقة لبني هاشم كرامة من الله تعالى لهم ولذريتهم حيث نصروه عليه الصلاة والسلام في جاهليتهم وإسلامهم وأبو لهب كان حريصا على أذى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستحقها بنوره ( قوله وأما مواليهم فلما روي إلخ ) أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن أبي رافع [ ص: 275 ] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة ، فقال لأبي رافع : اصحبني فإنك تصيب منها ، قال : حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله ، فأتاه فسأله ، فقال : مولى القوم من أنفسهم ، وإنا لا تحل لنا الصدقة } قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وكذا صححه الحاكم ، وأبو رافع هذا اسمه أسلم ، واسم ابنه عبيد الله وهو كاتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( قوله : وقد خص الصدقة ) يعني فيبقى فيما رواه على القياس فتؤخذ منه الجزية ولا يكون كفئا لهم




الخدمات العلمية