الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 1360 ] كتاب الصوم

الفصل الأول

1956 - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء " وفي رواية : " فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم

وسلسلت الشياطين
" ، وفي رواية : " فتحت أبواب الرحمة " . متفق عليه .

التالي السابق


كتاب الصوم

هو لغة : الإمساك مطلقا ، ومنه قوله - تعالى - إني نذرت للرحمن صوما أي إمساكا عن الكلام ، وشرعا : إمساك عن الجوع وعن إدخال شيء بطنا له حكم الباطن من الفجر إلى الغروب عن نية ، كذا عرفه ابن الهمام ، ثم قال : وهذا ثالث أركان الإسلام ، شرعه - سبحانه - لفوائد ، أعظمها كونه موجبا لشيئين : أحدهما ناشئ عن الآخر ؛ سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح ، من العين واللسان والأذن والفرج ، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها ، ولذا قيل : إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها ، والناشئ عن هذا صفاء القلب عن الكدر ، فإن الموجب لكدورته فضول اللسان والعين ، وباقيهما ، وبصفائه تناط المصالح والدرجات ، ومنها كونه موجبا للرحمة والعطف على المساكين ، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات ، فتسارع إليه الرقة عليه . والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عند الإحسان إليه فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء ، ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانا ، وفي ذلك رفع حاله عند الله ، كما حكي عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالسا يرعد وثوبه معلق على المشجب ، فقال له : في مثل هذا الوقت تنزع الثوب : أو معناه ، فقال : يا أخي ، الفقراء كثير وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد ، كما يتحملون اهـ ولهذا كان يقول بعض الأولياء العارفين عند كل أكلة : اللهم لا تؤاخذني بحق الجائعين ، وقد ثبت أن سيدنا يوسف - عليه السلام - ما كان يشبع من الطعام في سنة القحط مع كثرة المأكول عنده في ذلك العام ، لئلا ينسى أهل الجوع والفاقة ، وليتشبه بهم في الخاصة والحاجة .

ثم كانت فرضية صوم رمضان بعدما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة ، كذا ذكره الشمني ، وقيل : لم يفرض قبله صوم ، وقيل : كان ثم نسخ ، فقيل : عاشوراء ، وقيل : الأيام البيض ، قال ابن حجر : وصح أنه لما فرض استنكروه ، وشق عليهم ، فخيروا بين الصوم وإطعام مسكين عن كل يوم كما في أول الآية ، ثم نسخ بما في آخرها فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولما فرض كان يباح بعد الغروب تعاطي المفطر ما لم يحصل نوم أو يدخل وقت العشاء ، وإلا حرم ثم نسخ ذلك ، وأبيح تعاطيه إلى طلوع الفجر .

الفصل الأول

1956 - ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا دخل رمضان " ) أي وقت شهره ، وهو مأخوذ من الرمضاء ، في القاموس : رمض يومنا كفرح : اشتد حره ، وقدمه احترقت من الرمضاء للأرض الشديدة الحرارة ، وسمي شهر رمضان به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فرافق زمن الحر ، أو من رمض الصائم : اشتد حر جوفه ، أو لأنه يحرق الذنوب ، ورمضان إن صح أنه من أسماء الله - تعالى - فغير مشتق ، أو راجع إلى معنى الغافر ، أي يمحو الذنوب ويمحقها " فتحت " بالتخفيف ، وهو أكثر كما في التنزيل ، وبالتشديد لتكثير المفعول " أبواب السماء " قيل : فتحها كناية عن تواتر نزول الرحمة وتوالي طلوع الطاعة ، ويؤيده رواية أبواب الرحمة ، قال الزركشي : إلا أن يقال : إن الرحمة من أسماء الجنة ، قال : والأظهر أنه على الحقيقة لمن مات فيه أو عمل عملا لا يفسد عليه ، ( وفي رواية : " فتحت أبواب الجنة " ) ، وهو كناية عن فعل ما يؤدي إلى دخولها " وغلقت " بالتشديد أكثر " أبواب جهنم " وهو كناية عن امتناع ما يدخل إليها ، لأن الصائم يتنزه عن الكبائر ، ويغفر له ببركة الصيام الصغائر ، وقد ورد : الصيام جنة ، قال التوربشتي : فتح أبواب السماء كناية عن تنزيل الرحمة ، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق ، وأخرى بحسن القول ، وغلق أبواب جهنم عبارة عن تنزه أنفس الصائم عن رجس الفواحش ، والتخلص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات ، فإن قيل : ما منعكم أن تحملوا على ظاهر [ ص: 1361 ] المعنى ؟ قلنا : لأنه ذكر على سبيل المن على الصوام وإتمام النعمة عليهم فيما أمروا به وندبوا إليه ، حتى صار الجنان في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت ، ونعيمها أبيحت ، والنيران كأن أبوابها غلقت وأنكالها عطلت ، وإذا ذهبنا فيه إلى الظاهر لم يقع المن موقعه ، ويخلو عن الفائدة لأن الإنسان ما دام في هذه الدنيا فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين ، وجوز الشيخ محيي الدين النووي - رحمه الله - الوجهين في فتح أبواب السماء ، وتغليق أبواب جهنم ، أعني الحقيقة والمجاز ، أقول : يمكن أن يكون فائدة الفتح توفيق الملائكة على استحماد فعل الصائمين ، فإن ذلك من الله بمنزلة عظيمة ، وأيضا إذا علم المكلف المعتقد ذلك بإخبار الصادق يزيد في نشاط ويتلقاه بأريحيته ، وينصره حديث عمر في الفصل الثالث : إن الجنة تزخرفت لرمضان . الحديث ، ذكره الطيبي " وسلسلت الشياطين " أي قيدت بالسلاسل مردتهم ، وقيل : كناية عن امتناع تسويل النفوس ، واستعصائها عن قبول وساوسهم ، إذ بالصوم تنكسر القوة الحيوانية التي هي مبدأ الغضب والشهوات الداعيين إلى أنواع السيئات ، وتنبعث القوة العقلية المائلة إلى الطاعات ، كما هو مشاهد أن رمضان أقل الشهور معصية ، وأكثرها عبادة ( وفي رواية : " فتحت أبواب الرحمة " ) أي وغلقت أبواب جهنم إلى آخره ؛ قاله الطيبي ( متفق عليه ) قال ميرك : إلا رواية " أبواب السماء " فإنها من أفراد البخاري ، وإلا رواية " أبواب الرحمة " فإنها من أفراد مسلم ، والرواية المتفق عليها ; فتحت أبواب الجنة ، ورواها النسائي اهـ وقال النووي : قيل : الأصل أبواب الجنة ، والروايتان الأخريان من تصرف الرواة ، تم كلامه ، فكان حق المصنف أن يجعل الرواية المتفق عليها أصلا ، ثم يقول : وفي رواية : فتحت أبواب السماء ، وفي رواية : فتحت أبواب الرحمة ، ثم يذكر : وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث