الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاستطاعة من شروط الحج

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل الشرط الخامس : الاستطاعة ، وهو أن يملك زادا وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ؛ ومؤنته ، ومؤنة عياله على الدوام ولا يصير مستطيعا ببذل غيره بحال ، فمن كملت له هذه الشروط ، وجب عليه الحج على الفور فإن عجز عن السعي إليه لكبر ، أو مرض لا يرجى برؤه ، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده ، وقد أجزأ عنه ، وإن عوفي . ومن أمكنه السعي إليه لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير ووجد طريقا آمنا لا خفارة فيه ، ويوجد فيه الماء والعلف على المعتاد . وعنه : أن إمكان المسير ، وتخلية الطريق من شرائط الوجوب . وقال ابن حامد : إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله ، أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة ، فإن ضاق ماله عن ذلك ، أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته ، وحج به من حيث يبلغ .

التالي السابق


فصل ( الشرط الخامس الاستطاعة ) لقوله - تعالى - : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ آل عمران : 97 ] ولأن الخطاب إنما هو للمستطيع ; لأن " من " بدل من " الناس " فتقديره ( ولله على المستطيع ) لانتفاء تكليف ما لا يطاق شرعا وعقلا ، ( وهو أن يملك زادا وراحلة ) نص عليه ، لما روى ابن عمر قال : جاء رجل إلى [ ص: 92 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما يوجب الحج ؛ قال : الزاد والراحلة . رواه الترمذي ، وقال العمل عليه عند أهل العلم .

وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن السبيل فقال : " الزاد والراحلة " وكذا . رواه جابر ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمر ، وعائشة عنه ، رواه الدارقطني ، ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فكان ذلك شرطا كالجهاد ، وليس هو شرطا في الصحة ، والإجزاء فإن خلقا من الصحابة حجوا ، ولا شيء لهم ، ولم يؤمر أحد منهم بالإعادة ، ولأن الاستطاعة إنما شرطت للوصول فإذا وصل وفعل ، أجزأه كالمريض . وظاهره أنه إذا لم يستطع وأمكنه المشي والتكسب بالصنعة أنه لا يلزمه . واعتبر ابن الجوزي الزاد والراحلة لمن يحتاجهما ، وفي " الرعاية " وقيل : من قدر أن يمشي عن مكة مسافة القصر ، لزمه الحج والعمرة ; لأنه مستطيع فإن كان عادته السؤال ، والعادة إعطاؤه فللمالكية قولان ، وعندنا يكره لمن حرفته السؤال ، قال أحمد فيمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة : لا أحب له ذلك ، يتوكل على أزواد الناس . ويعتبر الزاد مطلقا إن احتاج إليه ، وكونه ملكه ، فلو وجده في المنازل لم يلزمه حمله ، وإلا لزمه سواء وجده بثمن مثله أو بزيادة كماء الوضوء ، والقدرة على وعاء الزاد ; لأنه لا بد منه .

وأما الراحلة فلا تشترط إلا مع البعد ، وهو من بينه وبين مكة مسافة القصر فقط ، إلا مع عجز كشيخ كبير لا يمكنه المشي ( صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله ) عادة; لأنه يتعلق به أمر شرعي ، فاعتبر فيه الصلاحية كالنفقة والسكنى في حق الزوجة ، فيعتبر في الزاد أن يكون من الخاص إن كان من أولاد التجار والأمراء ، أو من الخاصة إن لم يكن كذلك ، وفي الراحلة وآلتها أن يكون الجمل جيدا [ ص: 93 ] بمحارة إن كان كالأول ، وإلا فلا تشترط المحارة إذا أمكنه الركوب على القتب ، ولا كون الجمل جيدا قاله ابن المنجا ، وفيه شيء ، فإن ظاهر كلامهم في الزاد يلزمه مطلقا لظاهر الدليل ولئلا يفضي إلى ترك الحج بخلاف الراحلة فإن لم يقدر على خدمة نفسه اعتبر من يخدمه ; لأنه من سبيله ، ذكره في " المغني " و " الشرح " فظاهره لو أمكنه لزمه عملا بالظاهر ، وكلام غيرهما يقتضي أنه كالراحلة لعدم الفرق ( أو ) يملك ما يقدر به على تحصيل ذلك ) أي : الزاد والراحلة; لأن ملك الثمن كملك المثمن ، بدليل أن القدرة على ما تحصل به الرقبة في الكفارة لملكها ، ويعتبر الزاد والراحلة لذهابه وعوده ( فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم ) لأنهما من الحوائج الأصلية ; لأن المفلس يقوم بها على غرمائه فهنا أولى ، ويشتريهما بنقد بيده ، فإن فضل منه ما يحج به ، لزمه ، فإن كان المسكن واسعا يفضل عن حاجته ، وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل ما يحج به ، لزمه . قال في " الفروع " : ويتوجه مثله في الخادم والكتب التي يحتاجها كهما ، فإن استغنى بإحدى نسختي كتاب باع الأخرى ( وقضاء دينه ) ; لأن ذمته مشغولة به ، وهو محتاج إلى براءتها . وظاهره لا فرق بين أن يكون حالا أو مؤجلا لله - تعالى - أو لآدمي ( ومؤنته ) لقوله : ابدأ بنفسك ، ( ومؤنة عياله ) الذين تلزمه مؤنتهم ; لأن ذلك مقدم على الدين فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى ، ولتأكد حقهم بدليل قوله - عليه السلام - كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت . رواه أبو داود .

( على الدوام ) وهو معنى ما في " المحرر " : وكفاية دائمة له ، ولأهله ، فظاهره أنه قصد النفقة عليه ، وعلى عياله إلى أن يعود ويبقى له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عائلته على الدوام من عقار ، أو بضاعة ، أو صناعة . جزم به في " الهداية " [ ص: 94 ] و " منتهى الغاية " وقدمه في " الفروع " لتضرره بذلك ، وكالمفلس ، وفي " الكافي " و " الروضة " إلى أن يعود ، وقدمه في " الرعاية " فيتوجه أن المفلس مثله وأولى ، ولم يتعرض في " الشرح " إلى هذا وهو غريب منه .

فرع : إذا خاف العنت قدم النكاح عليه لوجوبه إذن ، ولحاجته إليه ، وقيل : يقدم الحج كما لو لم يخفه ، ولأنه أهم الواجبين ، ويمكن تحصيل مصالحه بعد إحراز الحج .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث