الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        الفصل الثاني

        وبه يتم المقصد في بعض ما سبق .

        401 - وهو أن عساكر الإسلام إذا كثروا ، أعني المرتزقة المترتبين [ ص: 281 ] في ديوان الجنود [ المعقود ] وعظمت المؤن القائمة بكفايتهم ، وهي جارية على استمرار الأوقات حسب توالي الحاجات ، التي تتقاضاها الفطن والجبلات .

        وكان اتساع الرقاع والأصقاع ، وكثرة الثغور والمراصد في البقاع - لا يستقل إلا بكثرة الرجال المترصدين للقراع ، وقد قسمهم الإمام على أصناف وأنواع ، وصففهم [ جيلا جيلا ] ، [ ورعيلا رعيلا ] .

        فمنهم مندوبون لنفض حريم البلاد عن المتلصصين ذوي العرامة ، ومنهم متصرفون في البلاد لردع النابغين من أهل الفساد ، الزائغين عن منهاج السداد ، ومنهم مرتبون في مرابطة الحصون والقلاع ، وآخرون في المضايق والمراصد .

        والنجدة الكبرى محتفون بالإمام ، وبأمراء الأجناد في البلاد .

        402 - وإذا انتهى تدبير الممالك إلى ذلك ، فالغالب أن ما ينفق [ ص: 282 ] من أخماس الغنائم والفيء لا ( 150 ) يقيم الأود ، ولا يديم العدد ، فإنا كما نصيب نصاب ، والحرب سجال ، والقتال مضطرب ، وتباين أحوال .

        ومن ظن [ ممن ] يلاقي الحروب بأن لا يصاب ، فقد ظن عجزا والمغانم في وضع الشرع ليست مقصودة ; فإن الغرض التجرد للجهاد إعلاء لكلمة الله ، وحياطة الملة ، والمغانم ليست معمودة مقصودة ; إذ لا يليق بمحاسن الشريعة أن نجعل بذل المهج ، والتغرير بالأرواح إلى تحصيل المغارم ذريعة .

        فإذا لا تقوم المملكة بتوقع الاغتنام ، ولا بد للإمام من الاعتصام بأوثق عصام ، على ممر الأيام ، [ ووزر ] الإسلام مأمور بأقصى الاحتياط ، والحفظ باللحظ بعد اللحظ .

        ولا أشبه ما يرتقب من مغنم بالإضافة إلى المؤن [ القارة ] إلا [ بما ] يقتنصه [ ص: 283 ] القانصون من الصيود بالإضافة إلى النفقات الدائرة فلو ترك الناس المكاسب معولين على الاصطياد ، لهلكوا وضاعوا ، واضطربوا وجاعوا .

        فهذه التشبيهات قدمتها لتوطئة أمر مقطوع به عندي قد يأباه المقلدون الذين لا تقتضيهم نفوسهم التحويم على الحقائق فضلا عن ورودها ، وكلما ظهرت حقيقة ، ولاحت إلى دركها طريقة صبروا لجحودها .

        403 - فأقول والله المستعان : لا بد من توظيف أموال يراها الإمام قائمة بالمؤن الراتبة ، أو مدانية لها ، وإذا وظف الإمام على الغلات والثمرات وضروب الزوائد والفوائد من الجهات يسيرا من كثير ، سهل احتماله ، ووفر به أهب الإسلام وماله ، واستظهر رجاله ، وانتظمت قواعد الملك وأحواله .

        ولو عدم الناس سلطانا يكف عن زرعهم وضرعهم عادية الناجمين وتوثب الهاجمين ( 151 ) ، لاحتاجوا في إقامة حراس من ذوي البأس إلى أضعاف ما رمزنا إليه .

        فإن استنكر ذلك غر غبي . قلنا : أتنكر أن ما ذكرته وجه [ ص: 284 ] الرأي ؟ فإن أباه وادعى خلافه تركته ودعواه ، ولن يفلح قط مقلد يتبع في تقليده هواه .

        وإن اعترف به ، وقد تقرر أن الاستظهار بأقصى العدد والعدد محتوم ، ولا يفي به توقع مغنوم ، ومفهوم أنه لو استفزتنا داهية ووقع والعياذ بالله خرم في ناحية - لاضطررنا في دفع البأس إلى بعض الناس لو تقدمنا بوجه رأي لظننا أن الأمور في استتبابها تجري على سنن صوابها .

        404 - فإن قيل : لم يكن ذلك في زمن الخلفاء الراشدين .

        قلنا : لما انتشرت الرعية وكثرت المؤن المعنية تسبب أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - إلى توظيف الخراج والأرفاق على أراضي العراق بإطباق واتفاق ، والذي يؤثر من خلاف فيه فهو في كيفيته ، لا في أصله .

        405 - فإن قيل : أليس مذهب إمامكم الشافعي - رحمه الله - [ ص: 285 ] أن الخراج المستأدى من غير أراضي العراق غير ثابت ؟

        قلنا : مذهبه أن الجزية المضروبة على أراضي الكفار باسم الخراج تسقط بإسلامهم كما تسقط الجزية الموزعة على رقابهم . وهو كما قال .

        406 - والذي ذكرناه أمر كلي بعيد المأخذ من آحاد المسائل . ومنشؤه الإيالة الكبرى ، مع الشهادات الباتة القاطعة من قاعدة الشريعة ، فإذا مست الحاجة إلى استمداد نجدة الدين [ وحرسة ] المسلمين من الأموال ، ولم يقع الاجتزاء والاكتفاء بما يتوقع على المغيب من جهة الكفار ، وتحقق الاضطرار ، في إدامة الاستظهار ، وإقامة حفظ الديار إلى عون من المال مطرد دار ، ولو عين الإمام ( 152 ) أقواما من ذوي اليسار ، لجر ذلك حزازات في النفوس ، [ وفكرا سيئة ] في الضمائر والحدوس ، وإذا رتب على الفضلات والثمرات والغلات قدرا قريبا كان طريقا في رعاية الجنود والرعية مقتصدة مرضية .

        [ ص: 286 ] ثم إن اتفقت مغانم ، واستظهر بأخماسها بيت المال ، وغلب على الظن اطراد الكفاية ، إلى أمد مظنون ونهاية ، [ فيغض ] حينئذ وظائفه فإنها ليست واجبات توقيفية ومقدرات شرعية وإنما رأيناها نظرا إلى الأمور الكلية ، فمهما استظهر بيت المال واكتفى حط الإمام ما كان يقتضيه وعفا ، فإن عادت مخايل حاجة أعاد الإمام منهاجه .

        407 - وهذا الفصل الذي أطلت أنفاسي فيه يلتفت على أمر قدمته في الاستظهار بالادخار ، فلست أرى للإمام أن يمد يده إلى أموال أهل الإسلام ليبتني في كل ناحية حرزا ، ويقتني ذخيرة وكنزا ، ويتأثل مفخرا وعزا .

        ولكن يوجه لدرور المؤن على ممر الزمن ما سبق رسمه ، فإن استغنى عنه بأموال أفاءها الله على بيت مال المسلمين كف طلبته على الموسرين .

        408 - فرحم الله امرءا طالع هذا الفصل وأنصف وانتصف ، ولم يلزمه [ جادة ] تقليده ، ولم يتعسف ، فالذي حواه هذا [ ص: 287 ] الفصل أقصد الطرائق ، وأسد المسالك إلى مدارك الحقائق . وقد نجز الفصل الثاني .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية