الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 261 ] ومن خصائصه في واجبات النكاح :

وجوب تخيير نسائه للآية ، واختلف في سبب نزولها على أقوال : أحدها : ما سيذكره المصنف : من أن الله خيره بين الغنى والفقر ، فاختار الفقر ، فأمره الله بتخيير نسائه لتكون من اختارته منهن موافقة لاختياره ، وهذا يعكر عليه أن الأكثر من أهل العلم بالمغازي أن إبلاءه من نسائه كان سنة تسع ، وأن تخييرهن وقع بعد ذلك ، وقد كان صلى الله عليه وسلم في آخر عمره قد وسع له في العيش بالنسبة لما كان فيه قبل ذلك قالت عائشة : " ما شبعنا من التمر حتى فتحت خيبر " .

ثانيها : أنهن تغايرن عليه فحلف ألا يكلمهن شهرا ، ثم أمر بأن يخيرهن .

حكاه الغزالي .

ثالثها : أنهن طالبنه من الحلي والثياب بما ليس عنده فتأذى بذلك ، فأمر بتخييرهن ، وقيل : إن ذلك كان بسبب طلب بعضهن منه خاتما من ذهب ، فأعد لها خاتما من فضة وصفره بالزعفران فتسخطت .

رابعها : أن الله امتحنهن بالتخيير ليكون لرسوله خيرة النساء .

خامسها : أن سبب نزولها قصة مارية في بيت حفصة ، أو قصة العسل الذي شربه في بيت زينب بنت جحش ، وهذا يقرب من الثاني .

1539 - ( 1 ) - قوله : لأنه صلى الله عليه وسلم آثر لنفسه الفقر والصبر عليه ، وأعاده بعد في الكلام على أن اليسار ليس بشرط في الكفاءة ، ويدل عليه ما رواه النسائي من حديث ابن عباس : { إن الله تعالى خيره بين أن يكون عبدا نبيا ، وبين أن يكون ملكا ، فاختار أن يكون عبدا نبيا }. ولمسلم عن ابن عباس عن عمر : { فدخلت عليه وهو مضطجع على حصير ، فجلست فإذا عليه إزاره وليس [ ص: 262 ] عليه غيره ، وإذا الحصير قد أثر في جنبه : فنظرت في جرابه وإذا بقبضة من شعير نحو الصاع ، ومثلها قرط في ناحية الغرفة ، فابتدرت عيناي }. - الحديث - وفيه : { ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ، ولهم الدنيا }. وأخرجاه من طريق أخرى عن ابن عباس عن عمر وفيه : { أولئك عجلت لهم طيباتهم }. وفي الصحيحين عن عائشة : { كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم ، وحشوه ليف }. ومن حديثها : { ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا حتى مضى لسبيله }. وفي رواية : { منذ قدم المدينة من طعام بر حتى قبض }. وفيهما عن أبي هريرة : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا }.

فإن قيل : فما وجه استعاذته صلى الله عليه وسلم من الفقر كما تقدم الحديث في قسم الصدقات ، فالجواب : أن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب ، والذي اختاره وارتضاه طرح المال .

وقال ابن عبد البر : الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت ، والكفاف ، ولا يستقر معه في النفس غنى ، لأن الغنى عنده صلى الله عليه وسلم غنى النفس ، قد قال تعالى : { ووجدك عائلا فأغنى }ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله ، وكان الغنى محله في قلبه ثقة بربه ، وكان يستعيذ من فقر منس ، وغنى مطغ دليل على أن للغنى والفقر طرفين [ ص: 263 ] مذمومين ، وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى .

1540 - ( 2 ) - حديث عائشة : { ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء اللاتي حظرن عليه }. كذا وقع فيه . وقوله : اللاتي حظرن عليه ، مدرج في الحديث ، قال الشافعي أنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن عائشة قالت : { ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء }. قال الشافعي : كأنها تعني اللاتي حظرن في قوله تعالى: { لا يحل لك النساء من بعد }الآية ، وهكذا ساقه القاضي أبو الطيب عن الشافعي ، وأخرجه أحمد ، والترمذي ، والنسائي من حديث سفيان دون الزيادة ورواه الدارمي ، وابن خزيمة وابن حبان ، والحاكم ، وللنسائي ، من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة بلفظ : { ما توفي رسول الله حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء }.

وروى الترمذي من طريق شهر عن ابن عباس قال : { نهي رسول الله عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات ، فقال { لا يحل لك النساء من بعد }الآية } ، فأحل الله فتيات المؤمنات ، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي وحرم كل ذات دين غير الإسلام ، وقال : { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك } - إلى قوله - { خالصة لك }وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء . قال : حديث حسن .

[ ص: 264 ] حديث : لما نزلت آية التخيير بدأ بعائشة . متفق عليه من طريق الزهري عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : { لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخييره أزواجه بدأ بي وقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي }. - الحديث - وفيه : ثم قال : { إن الله قال : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها }الآية }وفيه : { فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة }. واتفقا على طريق مسروق عنها : { خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ، فلم يعددها علينا }. وفي رواية : فلم يعد بعد ذلك طلاقا . ولمسلم من حديث جابر نحو الأول ، وزاد في آخره : { وأسألك لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت . قال : لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها }وفي بعض طرقه أن هذا الكلام منقطع ، فإن فيه قال : معمر وأخبرني أيوب قال : قالت عائشة : { لا تقل إني أخبرتك }.

( تنبيه ) :

احتج بهذا الحديث على أن جوابهن ليس الفور ، واعترض الشيخ أبو حامد بأنه صرح لعائشة بالإمهال إلى مراجعة الأبوين ، قال ابن الرفعة : وفي طرد ذلك في بقية أزواجه نظر لاحتمال أن يكون ذلك خاصا بعائشة ، لميله إليها وصغر سنها ، فكأنه قال لها : لا تبادري بالجواب خشية أن تبتدر فتختار الدنيا ، وعلى هذا فلا يطرد ذلك في غيرها . انتهى .

ولا يخفى ما فيه .

[ ص: 265 ] قوله : وهل حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاقهن بعدما اخترنه كما لو رغبت عنه امرأة حرم عليه إمساكها .

قلت : وهذا يحتاج إلى دليل خاص .

قوله : القسم الثاني المحرمات الزكاة والصدقة تقدم ذلك في قسم الصدقات .

التالي السابق


الخدمات العلمية