الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وأما حكم الصيد إذا جرحه المحرم ، فإن جرحه جرحا يخرجه عن حد الصيد وهو الممتنع المتوحش بأن قطع رجل ظبي أو جناح طائر فعليه الجزاء ; لأنه أتلفه حيث أخرجه عن حد الصيد فيضمن قيمته ; وإن جرحه جرحا ما لم يخرجه عن حد الصيد يضمن ما نقصته الجراحة ; لوجود إتلاف ذلك القدر من الصيد فإن اندملت الجراحة وبرئ الصيد لا يسقط الجزاء ; لأن الجزاء يجب بإتلاف جزء من الصيد وبالاندمال لا يتبين أن الإتلاف لم يكن بخلاف ما إذا جرح آدميا فاندملت جراحته ولم يبق لها أثر أنه لا ضمان عليه ; لأن الضمان هناك إنما يجب لأجل الشين وقد ارتفع .

                                                                                                                                فإن رمى صيدا فجرحه فكفر عنه ، ثم رآه بعد ذلك فقتله فعليه كفارة أخرى ; لأنه لما كفر الجراحة ارتفع حكمها وجعلت كأن لم تكن ، وقتله الآن ابتداء فيجب عليه الضمان لكن ضمان صيد مجروح ; لأن تلك الجراحة قد أخرج ضمانها مرة فلا تجب مرة أخرى فإن جرحه ولم يكفر ثم رآه بعد ذلك فقتله فعليه الكفارة ، وليس عليه في الجراحة شيء ; لأنه لما قتله قبل أن يكفر عن الجراحة صار كأنه قتله دفعة واحدة .

                                                                                                                                وذكر الحاكم في مختصره إلا ما نقصته الجراحة الأولى أي يلزمه ضمان صيد مجروح ; لأن ذلك النقصان قد وجب عليه ضمانه مرة فلا يجب مرة أخرى ولو جرح صيدا فكفر عنه قبل أن يموت ثم مات أجزأته الكفارة التي أداها ; لأنه إن أدى الكفارة قبل وجوبها لكن بعد وجود سبب الوجوب وأنه جائز كما لو جرح إنسانا خطأ فكفر عنه ثم مات المجروح أنه يجوز لما قلنا كذا هذا ، وإن نتف ريش صيد أو قلع سن ظبي فنبت وعاد إلى ما كان أو ضرب على عين ظبي فابيضت ثم ارتفع بياضها قال أبو حنيفة : في سن الظبي أنه لا شيء عليه إذا نبت ، ولم يحك عنه في غيره شيء وقال أبو يوسف : عليه صدقة ، وجه قوله أن وجوب [ ص: 206 ] الجزاء بالجناية على الإحرام وبالنبات والعود إلى ما كان لا يتبين أن الجناية لم تكن فلا يسقط الجزاء ، ولأبي حنيفة أن وجوب الجزاء لمكان النقصان ، وقد زال فيزول الضمان كما لو قلع سن ظبي لم يثغر .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية