الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وعلى هذا الأصل قال أصحابنا : إنه لا يجوز الجمع بين فرضين في وقت أحدهما إلا بعرفة والمزدلفة فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة ، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة ، اتفق عليه رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله ، ولا يجوز الجمع بعذر السفر والمطر .

                                                                                                                                وقال الشافعي : يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر وبين المغرب والعشاء [ ص: 127 ] في وقت العشاء بعذر السفر والمطر ، ( واحتج ) بما روى ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بعرفة بين الظهر والعصر ، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء ، ولأنه يحتاج إلى ذلك في السفر كي لا ينقطع به السير ، وفي المطر كي تكثر الجماعة ، إذ لو رجعوا إلى منازلهم لا يمكنهم الرجوع فيجوز الجمع بهذا كما يجوز الجمع بعرفة بين الظهر والعصر ، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء .

                                                                                                                                ( ولنا ) أن تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر فلا يباح بعذر السفر والمطر كسائر الكبائر ، والدليل على أنه من الكبائر ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من جمع بين صلاتين في وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر } ، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : الجمع بين الصلاتين من الكبائر ، ولأن هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع ، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال أو بخبر الواحد ، مع أن الاستدلال فاسد ; لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها ، ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر ؟ والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة ; لأن الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة ، بل ثبت غير معقول المعنى بدليل الإجماع والتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فصلح معارضا للدليل المقطوع به ، وكذا الجمع بمزدلفة غير معلول بالسير ، ألا ترى أنه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر ، وما روي من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به ، مع أنه غريب ورد في حادثة تعم بها البلوى ، ومثله غير مقبول عندنا ثم هو مؤول وتأويله أنه جمع بينهما فعلا لا وقتا ، بأن أخر الأولى منهما إلى آخر الوقت ثم أدى الأخرى في أول الوقت ولا واسطة بين الوقتين فوقعتا مجتمعتين فعلا ، كذا فعل ابن عمر رضي الله عنهما في سفر وقال : هكذا كان يفعل بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دل عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن { النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير مطر ولا سفر } وذلك لا يجوز إلا فعلا ، وعن علي رضي الله عنه أنه جمع بينهما فعلا ثم قال : هكذا فعل بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا روي عن أنس بن مالك أنه جمع بينهما فعلا ثم قال : هكذا فعل بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية