الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ويتصل بهذين الفصلين وهما بيان كيفية النية ووقت النية مسألة الأسير في يد العدو إذا اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى وصام شهرا عن رمضان ، وجملة الكلام فيه : أنه إذا صام شهرا عن رمضان لا يخلو إما أن وافق شهر رمضان ، أو لم يوافق بأن تقدم ، أو تأخر فإن وافق جاز وهذا لا يشكل لأنه أدى ما عليه ، وإن تقدم لم يجز لأنه أدى الواجب قبل وجوبه وقبل وجود سبب وجوبه ، وإن تأخر فإن وافق شوال يجوز لكن يراعى فيه موافقة الشهرين في عدد الأيام وتعيين النية ووجودها من الليل .

                                                                                                                                وأما موافقة العدد فلأن صوم شهر آخر بعده يكون قضاء ، والقضاء يكون على قدر الفائت ، والشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما ، وأما تعيين النية ووجودها من الليل فلأن صوم القضاء لا يجوز بمطلق النية ولا بنية من النهار لما ذكرنا فيما تقدم .

                                                                                                                                وهل تشترط نية القضاء ؟ ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي : أنه لا يشترط ، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي : أنه يشترط ، والصحيح ما ذكره القدوري لأنه نوى ما عليه من صوم رمضان وعليه القضاء ، فكان ذلك منه تعيين نية القضاء وبيان هذه الجملة أنه إذا وافق صومه شهر شوال ينظر إن كان رمضان كاملا وشوال كاملا قضى يوما واحدا لأجل يوم الفطر لأن صوم القضاء لا يجوز فيه وإن كان رمضان كاملا [ ص: 87 ] وشوال ناقصا قضى يومين يوما لأجل يوم الفطر ويوما لأجل النقصان لأن القضاء يكون على قدر الفائت وإن كان رمضان ناقصا وشوال كاملا لا شيء عليه ، لأنه أكمل عدد الفائت ، وإن وافق صومه هلال ذي الحجة فإن كان رمضان كاملا وذو الحجة كاملا قضى أربعة أيام يوما لأجل يوم النحر وثلاثة أيام لأجل أيام التشريق ، لأن القضاء لا يجوز في هذه الأيام وإن كان رمضان كاملا وذو الحجة ناقصا قضى خمسة أيام يوما للنقصان وأربعة أيام ليوم النحر وأيام التشريق وإن كان رمضان ناقصا وذو الحجة كاملا قضى ثلاثة أيام لأن الفائت ليس إلا هذا القدر وإن وافق صومه شهرا آخر سوى هذين الشهرين فإن كان الشهران كاملين ، أو ناقصين ، أو كان رمضان ناقصا ، والشهر الآخر كاملا فلا شيء عليه ، وإن كان رمضان كاملا ، والشهر الآخر ناقصا قضى يوما واحدا لأن الفائت يوم واحد ، ولو صام بالتحري سنين كثيرة ثم تبين أنه صام في كل سنة قبل شهر رمضان فهل يجوز صومه في السنة الثانية عن الأولى وفي الثالثة عن الثانية وفي الرابعة عن الثالثة هكذا قال بعضهم : يجوز لأنه في كل سنة من الثانية ، والثالثة ، والرابعة صام صوم رمضان الذي عليه وليس عليه إلا القضاء فيقع قضاء عن الأول .

                                                                                                                                وقال بعضهم : لا يجوز وعليه قضاء الرمضانات لأنه صام في كل سنة عن رمضان قبل دخول رمضان ، وفصل الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله في ذلك تفصيلا فقال : إن صام في السنة الثانية عن الواجب عليه إلا أنه ظن أنه من رمضان يجوز .

                                                                                                                                وكذا في الثالثة ، والرابعة لأنه صام عن الواجب عليه ، والواجب عليه قضاء صوم رمضان الأول دون الثاني ولا يكون عليه إلا قضاء رمضان الأخير خاصة لأنه ما قضاه فعليه قضاؤه ، وإن صام في السنة الثانية عن الثالثة وفي السنة الثالثة عن الرابعة لم يجز وعليه قضاء الرمضانات كلها ، أما عدم الجواز عن الرمضان الأول فلأنه ما نوى عنه ، وتعيين النية في القضاء شرط ولا يجوز عن الثاني لأنه صام قبله متقدما عليه .

                                                                                                                                وكذا الثالث ، والرابع ، وضرب له مثلا : وهو رجل اقتدى بالإمام على ظن أنه زيد فإذا هو عمرو صح اقتداؤه به ، ولو اقتدى بزيد فإذا هو عمرو لم يصح اقتداؤه به لأنه في الأول نوى الاقتداء بالإمام إلا أنه ظن أن الإمام زيد فأخطأ في ظنه ، فهذا لا يقدح في صحة اقتدائه بالإمام ، وفي الثاني نوى الاقتداء بزيد فإذا لم يكن زيدا تبين أنه ما اقتدى بأحد كذلك ههنا إذا نوى في صوم كل سنة عن الواجب عليه تعلقت نيته بالواجب عليه لا بالأول ، والثاني إلا أنه ظن أنه الثاني فأخطأ في ظنه فيقع عن الواجب عليه لا عما ظن والله أعلم

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية