الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر مسيلمة وأهل اليمامة

قد ذكرنا فيما تقدم مجيء مسيلمة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . فلما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين ، أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة ، وأتبعه شرحبيل بن حسنة ، فعجل عكرمة ليذهب بصوتها ، فواقعهم فنكبوه ، وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر ، وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر . فكتب إليه أبو بكر : لا أرينك ولا تراني ، لا ترجعن فتوهن الناس ، امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة ، ثم تسير أنت وجندك تستبرون الناس ، حتى تلقى مهاجر بن أبي أمية باليمن [ ص: 215 ] وحضرموت . فكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد ، فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة .

فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه - قبل عذره ورضي عنه ، ووجهه إلى مسيلمة ، وأوعب معه المهاجرين والأنصار ، وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس ، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب ، وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه ، فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة ، وبنو حنيفة يومئذ كثيرون ، كانت عدتهم أربعين ألف مقاتل ، وعجل شرحبيل بن حسنة ، وبادر خالدا بقتال مسيلمة ، فنكب ، فلامه خالد ، وأمد أبو بكر خالدا بسليط ؛ ليكون ردءا له ، لئلا يؤتى من خلفه . وكان أبو بكر يقول : لا أستعمل أهل بدر ، أدعهم حتى يلقوا الله بصالح أعمالهم ، فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر بهم . وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره .

وكان مع مسيلمة نهار الرجال بن عنفوة ، وكان قد هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأ القرآن ، وفقه في الدين ، وبعثه معلما لأهل اليمامة ، وليشغب على مسيلمة ، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة ، شهد أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن مسيلمة قد أشرك معه ، فصدقوه واستجابوا له ، وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره ، وكان يؤذن له عبد الله بن النواحة ، والذي يقيم له حجير بن عمير ، فكان حجير يقول : أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله . فقال له مسيلمة : أفصح حجير ، فليس في المجمجمة خير . وهو أول من قالها .

وكان مما جاء به وذكر أنه وحي : يا ضفدع بنت ضفدع ، نقي ما تنقين ، أعلاك في الماء ، وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين .

وقال أيضا : والمبديات زرعا ، والحاصدات حصدا ، والذاريات قمحا ، والطاحنات طحنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما ، إهالة وسمنا ، لقد فضلتم على أهل الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ، ريقكم فامنعوه ، والمعيي فأووه ، والباغي فناوئوه . وأتته [ ص: 216 ] امرأة فقالت : إن نخلنا لسحيق ، وإن آبارنا لجرز ، فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأهل هزمان . فسأل نهارا عن ذلك ، فذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ومجه في الآبار ، ففاضت ماء ، وأنجبت كل نخلة ، وأطلعت فسيلا قصيرا مكمما ، ففعل مسيلمة ذلك ، فغار ماء الآبار ويبس النخل ، وإنما ظهر ذلك بعد مهلكه .

وقال له نهار : أمر يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد ، ففعل وأمر يده على رءوسهم وحنكهم ، فقرع كل صبي مسح رأسه ، ولثغ كل صبي حنكه ، وإنما استبان ذلك بعد مهلكه .

وقيل : جاءه طلحة النمري فسأله عن حاله ، فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة ، فقال : أشهد أنك الكاذب ، وأن محمدا صادق ، ولكن كذاب ربيعة أحب ألينا من صادق مضر . فقتل معه يوم عقرباء كافرا .

ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء ، وخرج إليه الناس ، وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر ، فأخذه المسلمون وأصحابه ، فقتلهم خالد واستبقاه ؛ لشرفه في بني حنيفة ، وكانوا ما بين أربعين إلى ستين .

وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره ، فقال شرحبيل بن مسيلمة : يا بني حنيفة ، قاتلوا ؛ فإن اليوم يوم الغيرة ، فإن انهزمتم تستردف النساء سبيات ، وينكحن غير خطيبات ، فقاتلوا عن أحسابكم ، وامنعوا نساءكم . فاقتتلوا بعقرباء ، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، وكانت قبله مع عبد الله بن حفص بن غانم ، فقتل ، فقالوا : تخشى علينا من نفسك شيئا فقال : بئس حامل القرآن أنا إذا ! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت العرب على راياتهم ، والتقى الناس ، وكان أول من لقي المسلمين نهار الرجال بن عنفوة فقتل ، قتله زيد بن الخطاب ، واشتد القتال ، ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط ، وانهزم المسلمون ، وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد ، فزال خالد عن الفسطاط ، ودخلوا إلى مجاعة وهو عند امرأة خالد ، وكان سلمه إليها ، فأرادوا قتلها ، [ ص: 217 ] فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال : أنا لها جار ، فتركوها ، وقال لهم : عليكم بالرجال ، فقطعوا الفسطاط . ثم إن المسلمين تداعوا ، فقال ثابت بن قيس : بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء ، يعني أهل اليمامة ، وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، ثم قاتل حتى قتل .

وقال زيد بن الخطاب : لا نحور بعد الرجال ، والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم ، أو أقتل فأكلمه بحجتي . غضوا أبصاركم ، وعضوا على أضراسكم أيها الناس ، واضربوا في عدوكم ، وامضوا قدما .

وقال أبو حذيفة : يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بالفعال . وحمل خالد في الناس حتى ردوهم إلى أبعد مما كانوا ، واشتد القتال وتذامرت بنو حنيفة ، وقاتلت قتالا شديدا ، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين وتارة للكافرين ، وقتل سالم ، وأبو حذيفة ، وزيد بن الخطاب ، وغيرهم من أولي البصائر . فلما رأى خالد ما الناس فيه قال : امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ، ولنعلم من أين نؤتى . فامتازوا ، وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار ، وجنبهم المهاجرون والأنصار . فلما امتازوا قال بعضهم لبعض : اليوم يستحى من الفرار ، فما رئي يوم كان أعظم نكاية من ذلك اليوم ، ولم يدر أي الفريقين كان أعظم نكاية ، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في أهل البوادي .

وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه ، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ، ولم تحفل بنو حنيفة بمن قتل منهم . ثم برز خالد ودعا إلى البراز ونادى بشعارهم ، وكان شعارهم : يا محمداه ! فلم يبرز إليه أحد إلا قتله .

ودارت رحا المسلمين ، ودعا خالد مسيلمة فأجابه ، فعرض عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه ليستشير شيطانه ، فينهاه أن يقبل . فأعرض بوجهه مرة ، وركبه خالد وأرهقه ، فأدبر وزال أصحابه ، وصاح خالد في الناس فركبوهم ، فكانت هزيمتهم ، وقالوا لمسيلمة : أين ما كنت تعدنا ؟ فقال : قاتلوا عن أحسابكم . ونادى المحكم : يا بني حنيفة ، الحديقة الحديقة ! فدخلوها وأغلقوا عليهم بابها .

[ ص: 218 ] وكان البراء بن مالك ، وهو أخو أسد بن مالك ، إذا حضر الحرب أخذته رعدة ، حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول ، فإذا بال ثار كما يثور الأسد ، فأصابه ذلك ، فلما بال وثب وقال : إلي أيها الناس ، أنا البراء بن مالك ! إلي إلي ! وقاتل قتالا شديدا ، فلما دخلت بنو حنيفة الحديقة قال البراء : يا معشر المسلمين ، ألقوني عليهم في الحديقة . فقالوا : لا نفعل ، فقال : والله لتطرحنني عليهم بها ! فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحمها عليهم ، وقاتل على الباب وفتحه للمسلمين ودخلوها عليهم ، فاقتتلوا أشد قتال ، وكثر القتلى في الفريقين لا سيما في بني حنيفة ، فلم يزالوا كذلك حتى قتل مسيلمة . واشترك في قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ، ورجل من الأنصار ، أما وحشي فدفع عليه حربته ، وضربه الأنصاري بسيفه ، قال ابن عمر : فصرخ رجل : قتله العبد الأسود ، فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة ، وأخذهم السيف من كل جانب ، وأخبر خالد بقتل مسيلمة ، فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ؛ ليدله على مسيلمة ، فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم اليمامة ، وكان وسيما ، فقال : هذا صاحبكم ؟ فقال مجاعة : لا ، هذا والله خير منه وأكرم ، هذا محكم اليمامة ، ثم دخل الحديقة فإذا رويجل أصيفر أخينس ، فقال مجاعة : هذا صاحبكم قد فرغتم منه . وقال خالد : هذا الذي فعل بكم ما فعل .

وكان الذي قتل محكم اليمامة عبد الرحمن بن أبي بكر ، رماه بسهم في نحره وهو يخطب ويحرض الناس ، فقتله . وقال مجاعة لخالد : ما جاءك إلا سرعان الناس ، وإن الحصون مملوة ، فهلم إلى الصلح على ما ورائي . فصالحه على كل شيء دون النفوس ، وقال : أنطلق إليهم فأشاورهم . فانطلق إليهم وليس في الحصون إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجال ضعفى ، فألبسهم الحديد ، وأمر النساء أن ينشرن شعورهن ويشرفن على الحصون حتى يرجع إليهم . فرجع إلى خالد فقال : قد أبوا أن يجيزوا ما صنعت ، فرأى خالد الحصون مملوة وقد نهكت المسلمين الحرب وطال اللقاء ، وأحبوا أن يرجعوا على الظفر ، ولم يدروا ما هو كائن ، وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل المدينة ثلاثمائة وستون ، ومن المهاجرين من غير المدينة ثلاثمائة رجل ، وقتل ثابت بن قيس ، قطع رجل من المشركين رجله ، فأخذها ثابت وضربه بها فقتله ، وقتل من بني حنيفة بعقرباء سبعة آلاف ، وبالحديقة مثلها ، وفي الطلب نحو منها . وصالحه خالد على الذهب والفضة والسلاح ونصف السبي ، وقيل : ربعه .

[ ص: 219 ] فلما فتحت الحصون لم يكن فيها إلا النساء والصبيان والضعفاء ، فقال خالد لمجاعة : ويحك ! خدعتني ! فقال : هم قومي ، ولم أستطع إلا ما صنعت .

ووصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم ، وكان قد صالحهم ، فوفى لهم ولم يغدر . ولما رجع الناس قال عمر لابنه عبد الله ، وكان معهم : ألا هلكت قبل زيد ؟ هلك زيد وأنت حي ! ألا واريت وجهك عني ؟ فقال عبد الله : سأل الله الشهادة فأعطيها ، وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها .

التالي السابق


الخدمات العلمية