الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              ثم الفقهاء قاطبة وجمهور الصحابة على أن الأمة المزوجة إذا انتقل الملك فيها - ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك ، وكان مالكها معصوم الملك - لم يزل عنها ملك الزوج ، وملكها المشتري ونحوه إلا منفعة البضع .

              [ ص: 295 ] ومن حجتهم : أن البائع نفسه لو أراد أن يزيل ملك الزوج لم يمكنه ذلك ، فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه ، ولا يكون الملك الثابت للمشتري أتم من البائع ، والزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء على حقه ، بخلاف المسبية ، فإن فيها خلافا ليس هذا موضعه ؛ لكون أهل الحرب تباح دماؤهم وأموالهم ، وكذلك ما ملكوه من الأبضاع .

              وكذلك فقهاء الحديث وأهل الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ثمره - كالنخل المؤبر - فثمره للبائع مستحق الإبقاء إلى كمال صلاحه ، فيكون البائع قد استثنى منفعة الشجر إلى كمال الصلاح . وكذلك بيع العين المؤجرة - كالدار والعبد - عامتهم يجوزه ، ويملكه المشتري دون المنفعة التي للمستأجر .

              [ ففقهاء الحديث ] كأحمد وغيره يجوزون استثناء بعض منفعة العقد كما في صور الوفاق ، [ وكاستثناء ] بعض أجزائه معينا ومشاعا ، وكذلك يجوزون استثناء بعض أجزائه معينا ، إذا كانت العادة جارية بفصله كبيع الشاة واستثناء بعضها ، كسواقطها من الرأس والجلد والأكارع . وكذلك الإجارة فإن العقد المطلق يقتضي نوعا من الانتفاع في الإجارات المقدرة بالزمان ، كما لو استأجر أرضا للزرع ، أو حانوتا لتجارة فيه أو صناعة ، أو أجيرا لخياطة أو بناء ونحو ذلك ، فإنه لو زاد على موجب العقد المطلق أو نقص عنه : فإنه يجوز بغير خلاف أعلمه في النكاح ، فإن العقد المطلق يقتضي ملك الاستمتاع المطلق الذي يقتضيه العرف حيث شاء ومتى شاء ، فينقلها [ ص: 296 ] إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ضرر إلا ما استثني من الاستمتاع المحرم [ أو كان فيه ضرر فإن العرف لا يقتضيه ويقتضي ملكا للمهر ] الذي هو مهر المثل ، وملكها للاستمتاع في الجملة ، فإنه لو كان مجبوبا أو عنينا ثبت لها الفسخ عند السلف والفقهاء المشاهير ، ولو آلى منها ثبت لها فراقه إذا لم يفئ بالكتاب والإجماع ، وإن كان من الفقهاء من لا يوجب عليه الوطء وقسم الابتداء ، بل يكتفي بالباعث الطبيعي ، كمذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد ، فإن الصحيح من وجوه كثيرة : أنه يجب عليه الوطء والقسم كما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار . [ وهل ] : يتقدر الوطء الواجب بمرة كل أربعة أشهر ، اعتبارا بالإيلاء ، [ أو يجب ] أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها بالمعروف ؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره . والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد ، وعليه أكثر السلف : أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ، ليس بمقدر ، بل المرجع في ذلك إلى العرف ، كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) ، والسنة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف . وإذا تنازع الزوجان فيه فرض الحاكم باجتهاده ، كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة ، ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق ، فهو [ ص: 297 ] كتقدير الشافعي النفقة ، إذ كلاهما تحتاجه المرأة ويوجبه العقد . وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء ، بعيد عن معاني الكتاب والسنة والاعتبار . والشافعي إنما قدره طردا للقاعدة التي ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع العقود قياسا على المنع من بيع الغرر ، فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح مقدرة طردا لذلك . وقد تقدم التنبيه على هذا الأصل .

              وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب والعنة عند عامة الفقهاء ، وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء كالرتق ، وسلامتها من الجنون والجذام والبرص . وكذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله ، كخروج النجاسات منه أو منها ونحو ذلك ، في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره ، دون الجمال ونحو ذلك . وموجبه : كفاءة الرجل أيضا دون ما زاد على ذلك .

              ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال والجمال والبكارة ونحو ذلك ، صح ذلك ، وملك المشترط الفسخ عند فواته ، في أصح الروايتين عند أحمد ، وأصح وجهي أصحاب الشافعي وظاهر مذهب مالك . والرواية الأخرى : لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدين . وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان ، سواء كان المشترط هو المرأة في الرجل ، أو الرجل في المرأة . بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم . وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك لا أصل له .

              وكذلك لو اشترط بعض الصفة المستحقة بمطلق العقد ، مثل أن [ ص: 298 ] يشترط الزوج أنه مجبوب أو عنين ، أو المرأة أنها رتقاء أو مجنونة ، صح هذا الشرط باتفاق الفقهاء . فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب العقد واختلفوا في شرط الزيادة عليه في هذا الموضع ، كما ذكرته لك . فإن مذهب أبي حنيفة : أنه لا يثبت للرجل خيار عيب ولا شرط في النكاح . وأما المهر : فإنه لو زاد على مهر المثل أو نقص جاز بالاتفاق .

              كذلك يجوز أكثر السلف - أو كثير منهم - وفقهاء الحديث ومالك - في إحدى الروايتين - أن ينقص ملك الزوج ، فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من دارها ، وأن يزيدها على ما تملكه بالمطلق [ كقصره ] عليها نفسه فلا يتزوج عليها ولا يتسرى ، وعند طائفة من السلف وأبي حنيفة والشافعي ومالك في الرواية الأخرى : لا يصح هذا الشرط ، لكنه له عند أبي حنيفة والشافعي أثر في تسمية المهر .

              والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث أن اشتراط الزيادة على مطلق العقد واشتراط النقص جائز ما لم يمنع منه الشرع ، فإذا كانت الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها ، والنقص من ذلك ما ذكرت ، فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك . فإذا شرط على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره ، أو أن يقضي بالعين دينا عليه لمعين أو غير معين ، أو أن يصل به رحمه ونحو ذلك ، فهو اشتراط تصرف مقصود ، ومثله التبرع المفروض والتطوع .

              وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي [ ص: 299 ] يتشوفه الشارع فضعيف ، فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه فإن صلة ذي الرحم المحتاج أفضل منه ، كما نص عليه أحمد . فإن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أعتقت جارية لها فقال النبي صلى الله عليه سلم : لو تركتيها لأخوالك لكان خيرا لك ، ولهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كانت الوصية لهم أولى من الوصية بالعتق . وما أعلم في هذا خلافا ، وإنما أعلم الاختلاف في وجوب الوصية لهم ، فإن فيه عن أحمد روايتين ، إحداهما : تجب ، كقول طائفة من السلف والخلف . والثانية : لا تجب ، كقول الفقهاء الثلاثة وغيرهم . ولو وصى لغيرهم دونهم فهل [ تصرف ] تلك الوصية على أقاربه دون الموصى له ، أو يعطى ثلثها للموصى له وثلثاها لأقاربه ، كما تقسم التركة بين الورثة والموصى له ؟ على روايتين عن أحمد . وإن كان المشهور عند أكثر أصحابه : هو القول بنفوذ الوصية . فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد الفضيلة .

              وأيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل كما لو كان عليه دين لله من زكاة أو كفارة أو نذر أو دين لآدمي ، فاشترط عليه وفاء دينه من ذلك المبيع ، أو اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي عليه من الثمن ونحو ذلك ، فهذا أوكد من اشتراط العتق .

              وأما السراية فإنما كانت لتكميل الحرية . وقد شرع مثل ذلك في الأموال ، وهو حق الشفعة فإنها شرعت لتكميل الملك [ للشفيع ] ، لما في الشركة من الضرار . ونحن نقول : شرع ذلك في جميع [ ص: 300 ] المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة . فإن أمكن قسمة العين ، وإلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك . فتكميل العتق نوع من ذلك ، إذ الشركة تزول بالقسمة تارة ، وبالتكميل أخرى .

              وأصل ذلك : أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف [ في الرقبة ] ، بمنزلة القدرة الحسية ، فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا ، كما يثبت ذلك حسا . ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعا ، كما أن القدرة تتنوع أنواعا . فالملك التام يملك فيه التصرف في الرقبة بالبيع والهبة ، ويورث عنه ، ويملك التصرف في منافعه بالإعارة والإجارة والانتفاع وغير ذلك ، ثم قد يملك الأمة المجوسية ، أو المحرمات عليه بالرضاع ، فلا يملك منهن الاستمتاع ، ويملك المعاوضة عليه بالتزويج ، بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا ، وقد يملك أم الولد ولا يملك بيعها ولا هبتها ، ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين ، ويملك وطأها واستخدامها باتفاقهم . وكذلك تملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والإجارة عند أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد .

              ويملك المرهون ويجب عليه مئونته ، ولا يملك [ فيه ] من التصرف ما يزيل حق المرتهن لا ببيع ولا هبة . وفي العتق خلاف مشهور .

              والعبد المنذور عتقه ، والهدي ، والمال الذي قد نذر للصدقة بعينه ، ونحو ذلك مما استحق صرفه إلى القربة ، قد اختلف فيه الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : هل يزال ملكه عنه بذلك أم لا ؟ وكلا القولين خارج عن قياس الملك المطلق . فمن قال : لم يزل ملكه عنه - كما [ ص: 301 ] قد يقوله أكثر أصحابنا - فهو ملك لا يملك صرفه إلا إلى الجهة المعينة بالإعتاق أو النسك أو الصدقة . وهو نظير العبد المشترى بشرط العتق أو الصدقة أو الصلة ، أو الفدية المشتراة بشرط الإهداء إلى الحرم . ومن قال : زال ملكه عنه ، فإنه يقول : هو الذي يملك عتقه وإهداءه والصدقة به . وهو أيضا خلاف قياس زوال الملك في غير هذا الموضع .

              وكذلك اختلاف الفقهاء في الوقف على معين : هل يصير الموقوف ملكا لله ، أو ينتقل إلى الموقوف عليه أو يكون باقيا على ملك الواقف ؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره .

              وعلى كل تقدير : فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع أو الهبة . وكذلك ملك الموهوب له ، حيث يجوز للواهب الرجوع ، كالأب إذا وهب لابنه عند فقهاء الحديث ، كالشافعي وأحمد : نوع مخالف لغيره ، حيث سلط غير المالك على انتزاعه منه وفسخ عقده .

              ونظيره : سائر الأملاك في عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه ، كالمبيع بشرط عند من يقول : انتقل إلى المشتري ، كالشافعي وأحمد في أحد قوليهما ، وكالمبيع إذا أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز . وكالمبيع الذي ظهر فيه عيب أو فوات صفة ، عند جميع المسلمين . فهنا في المعاوضة والتبرع يملك العاقد انتزاعه ، وملك الأب لا يملك انتزاعه ، وجنس الملك يجمعهما . وكذلك ملك الابن في مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث الذي اتبعوا فيه معنى الكتاب وصريح السنة .

              وطوائف من السلف يقولون : هو مباح للأب مملوك للابن ، [ ص: 302 ] بحيث يكون للأب كالمباحات التي تملك بالاستيلاء ، وملك الابن ثابت عليه ، بحيث يتصرف فيه تصرفا مطلقا .

              فإذا كان الملك يتنوع أنواعا ، وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه ، لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الإنسان يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له ، ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه . والشارع لا يحظر على الإنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض . فإذا لم يكن فيه فساد ، أو كان فساده مغمورا بالمصلحة لم يحظره أبدا .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية