الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

قال الشيخ رحمه الله : قد روينا بعض مناقب الأولياء ومراتب الأصفياء ، فأما التصوف : فاشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات من الصفاء والوفاء ، واشتقاقه من حيث الحقائق التي أوجبت اللغة فإنه تفعل من أحد أربعة أشياء : من الصوفانة ، وهي بقلة زغباء قصيرة ، أو من صوفة وهي قبيلة كانت في الدهر الأول تجيز الحاج وتخدم الكعبة ، أو من صوفة القفا ، وهي الشعرات النابتة في متأخره ، أو من الصوف المعروف على ظهور الضأن . وإن أخذ التصوف من الصوفانة التي هي البقلة فلاجتزاء القوم بما توحد الله عز وجل بصنعه ، ومن به عليهم من غير تكلف بخلقه ، فاكتفوا به عما فيه للآدميين ، صنع كاكتفاء البررة الطاهرين ، من جلة المهاجرين ، في مبادئ إقبالهم وأول أحوالهم .

وهو ما حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : حدثني أبي ، ثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد بن أبي ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله عز وجل ، ولقد كنا نغزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر ، حتى قرحت أشداقنا ، وحتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط .

وإن أخذ من الصوفة التي هي القبيلة ، فلأن المتصوف فيما كفي من حاله ، ونعم من ماله ، وأعطي من عقباه ، وحفظ من حظ دنيا ، أحد أعلام الهدى لعدولهم عن الموبقات ، واجتهادهم في القربات ، وتزودهم من الساعات ، وتحفظهم للأوقات ، فسالك منهجهم ناج من الغمرات ، وسالم من الهلكات .

حدثنا محمد بن الفتح ، ثنا الحسن بن أحمد بن صدقة ، ثنا محمد بن عبد النور الخزاز ، ثنا أحمد بن المفضل الكوفي ، ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي ، إذا تقرب الناس إلى خالقهم في أبواب البر ، فتقرب إليه بأنواع العقل ، تسبقهم بالدرجات والزلفى ، عند الناس في الدنيا ، وعند الله في الآخرة " .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا جعفر بن محمد الفريابي ، ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني ، ثنا أبي ، عن جدي ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر الغفاري ، قال : جلست إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم - عليه السلام - فقال : " أمثال كلها ، وكان فيها : وعلى العامل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه تعالى ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر في صنع الله تعالى ، وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشروب " .

وإن أخذ من صوف القفا ، فمعناه أن المتصوف معطوف به إلى الحق ، مصروف به عن الخلق ، لا يريد به بدلا ، ولا يبغي عنه حولا .

حدثنا القاضي عبد الله بن محمد بن عمر ، ثنا عبد الله بن العباس الطيالسي ، ثنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد ، أنبأنا أبو بكر بن عياش ، عن حميد ، عن أنس بن مالك : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتي بإبراهيم - عليه السلام - يوم النار إلى النار ، فلما بصر بها قال : حسبنا الله ونعم الوكيل " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا محمد بن محمد بن سليمان ، ثنا سليمان بن توبة ، ثنا سلام بن سليمان الدمشقي ، ثنا إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لما ألقي إبراهيم - عليه السلام - في النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل " .

حدثنا أبو عمرو بن حمدان ، ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا محمد بن يزيد الرفاعي ، ثنا إسحاق بن سليمان ، ثنا أبو جعفر الرازي ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لما ألقي إبراهيم - عليه السلام - في النار قال : اللهم إنك واحد في السماء ، وأنا في الأرض واحد أعبدك " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا عبد الله بن عمر القواريري ، ثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن عامر الأحول ، عن عبد الملك بن عامر ، عن نوف البكالي . قال : قال إبراهيم - عليه السلام - : يا رب إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، فأنزل الله ثلاثة آلاف ملك فأمهم ثلاثة أيام .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا شيبان ، ثنا أبو هلال ، ثنا بكر بن عبد الله المزني ، قال : لما ألقي إبراهيم - عليه السلام - في النار جأرت عامة الخليقة إلى ربها ، فقالوا : يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لنا أن نطفئ عنه ، قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا ربه ليس له رب غيري ، فإن استغاثكم فأغيثوه ، وإلا فدعوه . قال : فجاء ملك القطر فقال : يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر ، قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا ربه ليس له رب غيري ، فإن استغاثك فأغثه ، وإلا فدعه ، فلما ألقي في النار دعا ربه ، فقال الله عز وجل : ( يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) ، قال : فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كراع .

حدثنا أحمد بن السندي ، ثنا الحسن بن علوية ، ثنا إسماعيل بن عيسى ، ثنا إسحاق بن بشر ، قال : قال مقاتل وسعيد : لما جيء بإبراهيم - عليه السلام - فخلعوا ثيابه وشدوا قماطه ووضع في المنجنيق ، بكت السماوات والأرض والجبال ، والشمس والقمر ، والعرش والكرسي ، والسحاب والريح والملائكة ، كل يقولون : يا رب ، إبراهيم عبدك يحرق بالنار ، فائذن لنا في نصرته ، فقالت النار وبكت : يا رب سخرتني لبني آدم وعبدك يحرق بي ! ، فأوحى الله عز وجل إليهم : إن عبدي إياي عبد ، وفي جنبي أوذي ، إن دعاني أجبته ، وإن استنصركم فانصروه . فلما رمي استقبله جبريل - عليه السلام - بين المنجنيق والنار ، فقال : السلام عليك يا إبراهيم ، أنا جبريل ، ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، حاجتي إلى الله ربي ، فلما قذف في النار كان سبقه إسرافيل فسلط النار على قماطه ، وقال الله عز وجل : ( يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) فلو لم يخلطه بالسلام لكز فيها بردا .

حدثنا الحسين بن محمد بن علي ، ثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم ، ثنا يوسف القطان ، ثنا مهران بن أبي عمر ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن المنهال بن عمرو ، قال : أخبرت أن إبراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار كان فيها - ما أدري إما خمسين وإما أربعين يوما - قال : ما كنت أياما وليالي قط أطيب عيشا مني إذ كنت فيها ، ووددت أن عيشي وحياتي كلها إذ كنت فيها .

قال الشيخ رحمه الله تعالى : وإن أخذ من الصوف المعروف فهو لاختيارهم لباس الصوف ، إذ لا كلفة للآدميين في إنباته وإنشائه ، وإن النفوس الشاردة تذلل بلباس الصوف ، وتكسر نخوتها وتكبرها به ، لتلتزم المذلة والمهانة ، وتعتاد البلغة والقناعة . وقد ذكرنا شواهده في كتاب لبس الصوف مجودا . وقد كثرت أجوبة أهل الإشارة في مائيته بأنواع من العبارة وجمعناها في غير هذا الكتاب . وأقرب ما أذكره ما حدثت عن جعفر بن محمد الصادق - رضي الله تعالى عنه - أنه قال : من عاش في ظاهر الرسول فهو سني ، ومن عاش في باطن الرسول فهو صوفي . وأراد جعفر بباطن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخلاقه الطاهرة واختياره للآخرة ، فمن تخلق بأخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتخير ما اختاره ورغب فيما فيه رغب ، وتنكب عما عنه نكب ، وأخذ بما إليه ندب فقد صفا من الكدر ، ونحي من العكر ، ونجي من الغير ، ومن عدل عن سمته ونهجه ، وعول على حكم نفسه وهرجه ، وسعى لبطنه وفرجه ، كان من التصوف خاليا ، وفي التجاهل ساعيا ، وعن خطير الأحوال ساهيا .

حدثنا أبو بكر بن خلاد ، ثنا الحارث بن أبي أسامة ، ثنا داود بن المحبر ، ثنا نصر بن طريف ، عن منصور بن المعتمر ، عن أبي وائل ، عن سويد بن غفلة ، أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - خرج ذات يوم فاستقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقال له : بم بعثت يا رسول الله - ؟ قال : " بالعقل " قال : فكيف لنا بالعقل ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن العقل لا غاية له ، ولكن من أحل حلال الله وحرم حرامه سمي عاقلا ، فإن اجتهد بعد ذلك سمي عابدا ، فإن اجتهد بعد ذلك سمي جوادا ، فمن اجتهد في العبادة وسمح في نوائب المعروف بلا حظ من عقل يدله على اتباع أمر الله عز وجل واجتناب ما نهى الله عنه فأولئك هم الأخسرون أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا محمد بن عمران بن الجنيد ، ثنا محمد بن عبدك ، ثنا سليمان بن عيسى ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي سعيد الخدري . قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " قسم الله عز وجل العقل على ثلاثة أجزاء ، فمن كن فيه كمل عقله ، ومن لم يكن فيه فلا عقل له : حسن المعرفة بالله عز وجل ، وحسن الطاعة لله عز وجل ، وحسن الصبر على ما أمر الله عز وجل " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث