الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ) وفيه وجهان . الأول : ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضا لهم ، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين . الثاني : أن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة ، فكان ذلك خيرا لهم مما قنعوا به .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف ، إحداهما : قوله : ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) . وثانيتهما : قوله : ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) قال صاحب " الكشاف " : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ، ولذلك جاء ( آمن ) غير عاطف .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله : ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) ففيه سؤالان :

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الأول : الألف واللام في قوله : ( المؤمنون ) للاستغراق أو للمعهود السابق ؟

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : بل للمعهود السابق ، والمراد : عبد الله بن سلام ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى .

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الثاني : الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق ؟

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون فاسقا في دينه فيكون مردودا عند الطوائف كلهم ، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره ، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقا فيما بينهم ، فكأنه قيل : أهل الكتاب فريقان : منهم من آمن ، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم ، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم البتة عند أحد من العقلاء .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( لن يضروكم إلا أذى ) فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله : ( كنتم خير أمة ) رغبهم فيه من وجه آخر ، وهو أنهم لا قدرة لهم على الإضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به ، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين ، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم ، وكل ذلك تقرير لما تقدم من [ ص: 159 ] قوله : ( إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ) [ آل عمران : 100 ] فهذا وجه النظم ، فأما قوله : ( لن يضروكم إلا أذى ) فمعناه : أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وإما بإظهار كلمة الكفر ، كقولهم : ( عزير ابن الله ) [ التوبة : 30 ] و ( المسيح ابن الله ) [ التوبة : 30 ] و ( الله ثالث ثلاثة ) [ المائدة : 73 ] وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ، ومن الناس من قال : إن قوله : ( إلا أذى ) استثناء منقطع وهو بعيد ، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين ، والغم ضرر ، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى لن يضروكم إلا ضررا يسيرا ، والأذى وقع موقع الضرر ، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية