الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) .

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) .

                                                                                                                                                                                                                                            اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الإخوة ، والأخوات وفي الآية مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس ، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ، فالأكثرون من الصحابة على القول بإثبات الحجب كما في الثلاثة ، وقال ابن عباس : لا يحجبان كما في حق الواحدة ، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الإخوة ، ولفظ الإخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه ، فإذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب . روي أن ابن عباس قال لعثمان : بم صار الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس ؟ وإنما قال الله تعالى : ( فإن كان له إخوة ) والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة ؛ لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان ، وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ، ومن علماء اللسان ، فكان اتفاقهما حجة في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين : الأول : أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه ، واحتجوا فيه بوجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : قوله تعالى : ( فقد صغت قلوبكما ) [ التحريم : 4 ] ولا يكون للإنسان الواحد أكثر من قلب واحد .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : قوله تعالى : ( فإن كن نساء فوق اثنتين ) والتقييد بقوله : فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحا للثنتين .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : قوله : " الاثنان فما فوقهما جماعة " والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين ، إلا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة ، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين ، وإنما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره أن نقول : الأختان يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا ، إنما [ ص: 175 ] قلنا : إن الأختين يحجبان ، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث ، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان ، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين ، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة ، فثبت أن الأختين يحجبان ، وإذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين ، لأنه لا قائل بالفرق ، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ، وفيه إشكال ؛ لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى ، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع ، ويمكن أن يقال : لا يتمسك به على طريقة القياس ، بل على طريقة الاستقراء ؛ لأن الكثرة أمارة العموم ، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف ، والله أعلم ، واعلم أنه تأكد هذا بإجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس ، والأصح في أصول الفقه أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : الإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فهم لا يرثون شيئا البتة ، بل يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس ، سدس بالفرض ، والباقي بالتعصيب ، وقال ابن عباس : الإخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه ، وما بقي فللأب ، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب ، فهؤلاء الإخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا ، وحجة الجمهور أن عند عدم الإخوة كان المال ملكا للأبوين ، وعند وجود الإخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا ، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين ، كما كان قبل ذلك ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية