الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            النوع السادس : من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات :

                                                                                                                                                                                                                                            ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ) .

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ) .

                                                                                                                                                                                                                                            اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان : سبعة منهن من جهة النسب ، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت ، وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ، وأزواج الأبناء والآباء ، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا ، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة ، والجمع بين الأختين . وفي الآية مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال : لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات ، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان ، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال ، وذلك الفعل غير مذكور في الآية ، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات ، أولى من بعض ، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عنه من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن تقديم قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) يدل على أن المراد من قوله : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) تحريم نكاحهن .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن ، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان ، فالمراد [ ص: 22 ] تحريم الفعل المطلوب منها في العرف ، فإذا قيل : حرمت عليكم الميتة والدم ، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما ، وإذا قيل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن ، ولما قال عليه الصلاة والسلام : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاث " فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه ، وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية ، فكانت في غاية الركاكة ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أن قوله : ( حرمت عليكم ) مذكور على ما لم يسم فاعله ، فليس فيه تصريح بأن فاعل التحريم هو الله تعالى ، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر ، ولا سبيل إليه إلا بالإجماع ، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا ، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن قوله : ( حرمت عليكم ) ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأبيد ، فإن القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد ، وإلى المؤقت ، كأنه تعالى تارة قال : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى الوقت الفلاني فقط ، وأخرى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا ، وإذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين ، لم يكن نصا في التأبيد ، فإذن هذا التأبيد لا يستفاد من ظاهر الآية ، بل من دلالة منفصلة .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أن قوله : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين ، فإثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل ، ورابعها : أن قوله : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي ، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل .

                                                                                                                                                                                                                                            وخامسها : أن ظاهر قوله : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة ، وبنته خاصة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر ، وسادسها : أن قوله : ( حرمت ) يشعر ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله : ( حرمت ) تحريما لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال ، فثبت أن المراد من قوله : ( حرمت ) ليس تجديد التحريم حتى يلزم الإشكال المذكور ، بل المراد الإخبار عن حصول التحريم ، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية