الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة : لما خلق الله العالم مطابقا لمصالح العباد موافقا لمنافعهم كان الإحكام والإتقان ظاهرين في العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالما ، فثبت بما ذكرنا أن قوله : ( الحمد لله ) يدل على وجود الإله ، ويدل على كونه منزها عن الحيز والمكان ، ويدل على كونه منزها عن الحلول في المحل ، ويدل على كونه في نهاية القدرة ، ويدل على كونه في نهاية العلم ، ويدل على كونه في نهاية الحكمة .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما السؤال الثاني وهو قوله : هب أنه ثبت القول بوجود الإله القادر ، فلم قلتم : إنه يستحق الحمد والثناء ؟ والجواب هو قوله : ( الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) وتقرير هذا الجواب أن العبد لا يخلو حاله في الدنيا عن أمرين : إما أن يكون في السلامة والسعادة ، وإما أن يكون في الألم والفقر والمكاره ، فإن كان في السلامة والكرامة فأسباب تلك السلامة وتلك الكرامة لم تحصل إلا بخلق الله وتكوينه وإيجاده ، فكان رحمانا رحيما ، وإن كان في المكاره والآفات ، فتلك المكاره والآفات إما أن تكون من العباد أو من الله ، فإن كانت من العباد فالله سبحانه وتعالى وعد بأنه ينتصف للمظلومين في يوم الدين ، وإن كانت من الله فالله تعالى وعد بالثواب الجزيل والفضل الكثير على كل ما أنزله بعباده في الدنيا من المكروهات والمخافات ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لا بد وأن يكون مستحقا للحمد الذي لا نهاية له والثناء الذي لا غاية له ، فظهر [ ص: 152 ] بالبيان الذي ذكرناه أن قوله : ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) مرتب ترتيبا لا يمكن في العقل وجود كلام أكمل وأفضل منه .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الصفات المعتبرة في الربوبية أردفه بالكلام المعتبر في العبودية ، واعلم أن الإنسان مركب من جسد ومن روح ، والمقصود من الجسد أن يكون آلة للروح في اكتساب الأشياء النافعة للروح ، فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتيا بأعمال تعين الروح على اكتساب السعادات الروحانية الباقية ، وتلك الأعمال هي أن يكون الجسد آتيا بأعمال تدل على تعظيم المعبود وخدمته ، وتلك الأعمال هي العبادة ، فأحسن أحوال العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظبا على العبادات ، وهذه أول درجات سعادة الإنسان ، وهو المراد بقوله : ( إياك نعبد ) فإذا واظب على هذه الدرجة مدة فعند هذا يظهر له شيء من أنوار عالم الغيب ، وهو أنه وحده لا يستقل بالإتيان بهذه العبادة والطاعات ، بل ما لم يحصل له توفيق الله تعالى وإعانته وعصمته فإنه لا يمكنه الإتيان بشيء من العبادات والطاعات ، وهذا المقام هو الدرجة الوسطى في الكمالات ، وهو المراد من قوله : ( وإياك نستعين ) ثم إذا تجاوز عن هذا المقام ، لاح له أن الهداية لا تحصل إلا من الله ، وأنوار المكاشفات والتجلي لا تحصل إلا بهداية الله ، وهو المراد من قوله : ( اهدنا الصراط المستقيم ) وفيه لطائف :

                                                                                                                                                                                                                                            اللطيفة الأولى : أن المنهج الحق في الاعتقادات وفي الأعمال هو الصراط المستقيم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية