الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله تعالى موسى فيه ، وسأل موسى من الله الرؤية ، أو هو للخروج إلى موضع آخر ؟ فيه أقوال للمفسرين :

                                                                                                                                                                                                                                            القول الأول : إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا : إنه - عليه السلام - خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، حتى أحاط بالجبل كله ، ودنا موسى - عليه السلام - . ودخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا ، فدنوا ، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجدا ، فسمعوه ، وهو يكلم موسى يأمره وينهاه [ ص: 16 ] افعل ولا تفعل . ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية ، وقالوا( ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ) [ البقرة : 55 ] وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية ، فقال موسى - عليه السلام - :( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) فالمراد منه قولهم :( أرنا الله جهرة ) [النساء : 153] .

                                                                                                                                                                                                                                            والقول الثاني : أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية ، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ، ولا تعطيه أحدا بعدنا ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة .

                                                                                                                                                                                                                                            واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة ، وظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عودا إلى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في وضع واحد ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ذكر بعض القصة ، ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى ، فإنه يوجب نوعا من الخبط والاضطراب ، والأولى صون كلام الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر ، إلا أنهم ( فقالوا أرنا الله جهرة ) فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا ؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال :( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية : أنه خر موسى صعقا ، وأنه جعل الجبل دكا ، وأما الميقات المذكور في هذه الآية ، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أن موسى - عليه السلام - أخذته الرجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر . واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام ، وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى :( ولما جاء موسى لميقاتنا ) [ الأعراف : 143 ] فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات ، فلما قال في هذه الآية :( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ) وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات .

                                                                                                                                                                                                                                            وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف ، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            والوجه الثالث في تفسير هذا الميقات : ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : إن موسى وهارون - عليهما السلام - انطلقا إلى سفح جبل ، فنام هارون فتوفاه الله تعالى ، فلما رجع موسى - عليه السلام - قالوا إنه هو الذي قتل هارون ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا ، وذهبوا إلى هارون فأحياه الله تعالى ، وقال ما قتلني أحد ، فأخذتهم الرجفة هنالك ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 17 ]

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية