الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) ففيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : لفظ (الذي) وهو موصول مع صلته ، إما أن يكون في محل النصب وصفا للذي خلقكم ، أو على المدح والتعظيم ، وإما أن يكون رفعا على الابتداء ، وفيه ما في النصب من المدح .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : (الذي) كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كقولك : ذهب الرجل الذي أبوه منطلق ، فأبوه منطلق قضية معلومة ، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي ، وهو تحقيق قولهم : إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل ، إذا ثبت هذا فقوله : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ) يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشا والسماء بناء ، وذلك تحقيق قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) [ لقمان : 25 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل ، اثنين من الأنفس وثلاثة من الآفاق ، فبدأ أولا بقوله : ( خلقكم ) وثانيا : بالآباء والأمهات ، وهو قوله : ( والذين من قبلكم ) وثالثا : بكون الأرض فراشا ، ورابعا : بكون السماء بناء ، وخامسا : بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض ، وهو قوله : ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . ولهذا الترتيب أسباب ، الأول : أن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم ، فكلما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، وكان أولى بالذكر . فلهذا السبب قدم ذكر نفس الإنسان ، ثم ثناه بآبائه وأمهاته ، ثم ثلث بالأرض ؛ لأن الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء ، وإنما قدم ذكر السماء على نزول الماء من السماء وخروج الثمرات بسببه ؛ لأن ذلك كالأمر المتولد من السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر ، فلهذا السبب أخر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : هو أن خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم ، وأما خلق الأرض والسماء والماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة ، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 94 ] الثالث : أن كل ما في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الإنسان ، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيهما ؛ لأن الإنسان حصل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، وكل ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى . فلما كانت وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى بالتقديم . واعلم أنا كما ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر ما في كل واحد من هذه الثلاثة من المنافع .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية