الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            وأما قوله : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) ففيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ، ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الاستثناء أن لا يصير كاذبا في دعواه ، فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : " المخلصين " بكسر اللام في كل القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، [ ص: 150 ] ومن فتح اللام فمعناه : الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان والتوفيق والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : الإخلاص جعل الشيء خالصا عن شائبة الغير فنقول : كل من أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به لله فقط أو لغير الله فقط ، أو لمجموع الأمرين ، وعلى هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان الله راجحا أو مرجوحا أو معادلا ، والتقدير الرابع أن يأتي به لا لغرض أصلا وهذا محال ; لأن الفعل بدون الداعية محال .

                                                                                                                                                                                                                                            أما الأول : فهو الإخلاص في حق الله تعالى ; لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب رضوان الله ، وما جعل هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير ، فهذا هو الإخلاص .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الثاني : وهو الإخلاص في حق غير الله ، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصا في حق الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الثالث : وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب الله يكون راجحا ، فهذا يرجى أن يكون من المخلصين ; لأن المثل يقابله المثل . فيبقى القدر الزائد خالصا عن الشوب .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الرابع والخامس : فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق الله تعالى ، والحاصل أن القسم الأول : إخلاص في حق الله تعالى قطعا .

                                                                                                                                                                                                                                            والقسم الثاني : يرجى من فضل الله أن يجعله من قسم الإخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن الإخلاص قطعا والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية