الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            وسادسها : أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر ، أما إنهم أتقى فلأنهم مبرءون عن الزلات وعن الميل إليها ؛ لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى : ( يخافون ربهم من فوقهم ) [النحل : 50] وقوله ( وهم من خشيته مشفقون ) [الأنبياء : 28] والخوف والإشفاق ينافيان العزم على المعصية ، وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا كل واحد منهم عن نوع زلة وقال عليه [ ص: 202 ] الصلاة والسلام : " ما منا من أحد إلا عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام " فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13] فإن قيل : إن قوله ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة ، وأيضا فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الأول : أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر ، وعن الثاني : لا نسلم عدم الشهوة في حقهم لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والمباشرة ، ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق الشهوة بل لهم شهوة التقدم والترفع ، ولهذا قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وقال تعالى : ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) [الأنبياء : 29] .

                                                                                                                                                                                                                                            ولقائل أن يقول : الحديث الذي ذكرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من محمد وذلك باطل بالإجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى زيادة الفضل ، وتحقيقه ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه المعصية قط ، وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر صدرت عنه معصية ، ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فيقابل مائة جزء من الثواب بمائة جزء من العقاب فيبقى له تسعمائة جزء من الثواب فهذا الإنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الإنسان الذي لم تصدر المعصية عنه قط ، وأيضا فلا نسلم أن تقوى الملائكة أشد ، وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية والمقتضي للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر .

                                                                                                                                                                                                                                            قوله : إن الملائكة لهم شهوة الرياسة ، قلنا : هذا لا يضرنا ؛ لأن هذه الشهوة حاصلة للبشر أيضا ، وقد حصلت لهم أنواع أخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج ، وإذا كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون تقوى المتقين منهم أشد .

                                                                                                                                                                                                                                            وسابعها : قوله تعالى : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ) [النساء : 172] وجه الاستدلال أن قوله تعالى ( ولا الملائكة المقربون ) خرج مخرج التأكيد للأول ومثل هذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل ، يقال : هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ، ولا المائة ولا يقال : لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد ، ويقال : هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك ، ولا يقال : لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب .

                                                                                                                                                                                                                                            ولقائل أن يقول : هذه الآية إذا دلت فإنما تدل على فضل الملائكة المقربين على المسيح لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على من هو أفضل من المسيح وهو محمد وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبالجملة فلو ثبت أن المسيح أفضل من كل الأنبياء كان مقصودهم حاصلا ، فأما إذا لم يقيموا الدلالة على ذلك فلا يحصل مقصودهم لا سيما وقد أجمع المسلمون على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من المسيح عليه السلام ، وما رأينا أحدا من المسلمين قطع بفضل المسيح على موسى وإبراهيم عليهما السلام ، ثم نقول : قوله ( ولا الملائكة المقربون ) ليس فيه إلا واو العطف ، والواو للجمع المطلق فيدل على أن المسيح لا يستنكف ، والملائكة لا يستنكفون ، فأما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا ، وأما الأمثلة التي ذكروها ، فنقول : المثال لا يكفي في إثبات الدعوى الكلية ثم إن المثال معارض بأمثلة أخرى وهو قوله ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو ، فهذا لا يفيد كون عمرو أفضل من زيد وكذا قوله تعالى : ( ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ) [المائدة : 2] ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها ، ثم التحقيق أنه إذا قال [ ص: 203 ] هذه الخشبة لا يقدر على حملها الواحد ولا العشرة فنحن بعقولنا أن العشرة أقوى من الواحد فلا جرم عرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا من مجرد اللفظ فههنا في الآية إنما يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله ( ولا الملائكة المقربون ) [النساء : 172] بيان المبالغة لو عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح ، وحينئذ تتوقف صحة الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب قبل هذا الدليل ، ويتوقف ثبوت المطلوب على دلالة هذه الآية عليه فيلزم الدور ، وأنه باطل سلمنا أنه يفيد التفاوت لكنه لا يفيد التفاوت في كل الدرجات بل في بعض دون آخر ، بيانه أنه إذا قيل : هذا العالم لا يستنكف عن خدمته القاضي ولا السلطان ، فهذا لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من القاضي في بعض الأمور وهو القدرة والقوة والاستيلاء والسلطان ولا يدل على كونه أفضل من القاضي في العلم والزهد والخضوع لله تعالى إذا ثبت هذا فنحن نقول بموجبه ؛ وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والبطش فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط ، والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك فلم قلتم : إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخضوع والعبودية ، وتمام التحقيق فيه أن الفضل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب ، وكثرة الثواب لا تحصل إلا بالعبودية ، والعبودية عبارة عن نهاية التواضع والخضوع وكون العبد موصوفا بنهاية التواضع لله تعالى لا يناسب الاستنكاف عن عبودية الله ، ولا يلائمها البتة بل يناقضها وينافيها وإذا كان هذا الكلام ظاهرا جليا كان حمل كلام الله تعالى عليه مخرجا له عن الفائدة ، أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والاستيلاء العظيم فإنه مناسب للتمرد وترك العبودية ، فالنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه عن العبودية بسبب هذا القدر من القدرة ، فقال الله تعالى : إن عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدر من القدرة عن عبوديتي ، بل ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة والقوة والبطش والاستيلاء على عوالم السماوات والأرضين ، وعلى هذا الوجه ينتظم وجه دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر في الشدة والبطش ، لكنها لا تدل البتة على أنه أفضل من البشر في كثرة الثواب أو يقال : إنهم إنما ادعوا إلهيته ؛ لأنه حصل من غير أب فقيل لهم : الملك ما حصل من أب ولا من أم فكانوا أعجب من عيسى في ذلك مع أنهم لا يستنكفون عن العبودية

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : في الآية ما يدل على أن المراد وقوع التفاوت بين المسيح والملائكة في العبودية لا في القدرة والقوة والبطش ؛ وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم مقربين ، والقرب من الله تعالى لا يكون بالمكان والجهة ، بل بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم ههنا بكونهم مقربين علمنا أن المراد وقوع التفاوت بينهم وبين المسيح في درجات الفضل لا في الشدة والبطش .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : إن كان مقصودك من هذا السؤال أنه تعالى وصف الملائكة بكونهم مقربين فوجب أن لا يكون المسيح كذلك فهذا باطل ؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه وإن كان مقصودك أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مقربين وجب أن يكون التفاوت واقعا في ذلك فهذا باطل أيضا لاحتمال أن يكون المسيح والمقربون مع اشتراكهم في صفة القرب في الطاعة يتباينون بأمور أخر فيكون المراد بيان التفاوت في تلك الأمور .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية